تتكرر في المشهد السياسي المصري ظاهرة يمكن وصفها بـ«القفز على الواقع» أو «التقدم الإجرائي إلى الأمام»، حيث تُستكمل الخطوات الدستورية والتنظيمية بدقة، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية حول التمثيل السياسي والفاعلية التشريعية معلّقة. ويظهر هذا النمط بوضوح في افتتاح الفصل التشريعي الجديد لمجلس النواب، بعد عملية انتخابية طويلة ومعقدة امتدت 99 يومًا، وهي الأطول منذ تأسيس الجمهورية في 1952.
فرغم اكتمال الإجراءات الرسمية -من طقوس أداء اليمين وانتخاب رئيس المجلس ووكلائه- فإن النقاش العام ظل مشغولًا لا بالجلسة بل بما سبق الجلسة من جدل واسع حول العملية الانتخابية نفسها وما حدث فيها.
المستشار طارق مقلد انتقد في تعليق مطول اختيار شخصيات ذات خلفية قضائية وأمنية لرئاسة غرفتي برلمان العسكر في مصر، معتبرًا أن هذا التطور يعكس تحولًا في طبيعة الدور التشريعي داخل الدولة. وجاءت تصريحاته في سياق نقاش عام حول تشكيل برلمان السيسي الجديد، ودور المؤسسات التشريعية في المرحلة المقبلة.
وقال "مقلد" عبر هاشتاجات #أمن_الدولة #انهيار_دولة_القانون #السلطة_الواحدة إن تعيين شخصيات شغلت مناصب بارزة داخل منظومة القضاء الاستثنائي، مثل نيابة أمن الدولة العليا ومحكمة أمن الدولة، على رأس مجلسي النواب والشيوخ، يطرح أسئلة حول الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي يقوم عليه الدستور المصري، مشيرا إلى أن الجمع بين الخبرة القضائية المرتبطة بملفات أمنية حساسة وبين قيادة المؤسسات التشريعية قد يخلق تضاربًا في الأدوار، ويؤثر على طبيعة العمل البرلماني.
وأضاف أن المؤسسات التشريعية يفترض أن تكون ساحة لتمثيل المواطنين وصياغة السياسات العامة، بينما تقوم الجهات القضائية بدور مختلف يقوم على تطبيق القانون والتحقيق في القضايا، معتبرا أن انتقال شخصيات من بيئة قضائية استثنائية إلى قيادة "برلمان" قد يغيّر من طبيعة المؤسسة التشريعية، ويجعلها أقرب إلى منطق الضبط الأمني منها إلى منطق التشريع والرقابة.
ولفت "مقلد" إلى أن البرلمان، في صورته المثالية، يجب أن يكون مساحة لتعدد الآراء وصراع الأفكار وتمثيل الفئات المهمشة، بينما يخشى أن يؤدي هذا التحول إلى تضييق المجال السياسي بدلًا من توسيعه، محذّرا من أن تركيز السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية في أيدٍ ذات خلفيات مهنية متقاربة قد يؤثر على التوازن المؤسسي داخل الدولة.
وختم بأن ما يجري لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة، مؤكدًا أن الحفاظ على استقلال السلطات هو الضمانة الأساسية لحماية حقوق المواطنين وتعزيز الثقة في المؤسسات العامة.
برلمان مطعون في شرعيته
شهدت الانتخابات الأخيرة مئات الطعون، وجرت إعادة الاقتراع في 49 دائرة من أصل 70 في المرحلة الأولى، وهي نسبة غير مسبوقة تعكس حجم الاضطراب الإجرائي.
كما سجّلت منظمات محلية ودولية ملاحظات حول ضعف الإقبال مقارنة بانتخابات 2014، التي كانت نسبة المشاركة الرسمية فيها 47%، بينما قدّرت تقارير بحثية أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت أقل بكثير.
ورغم هذا الجدل، مضت الدولة في تنظيم جلسة افتتاحية احتفالية داخل مقر "البرلمان" الجديد بالعاصمة الإدارية، (مع تأكيدات حقوقية بعدم دستورية للجلسة متناسين أنه لا دستورية منذ اسقاط الدستور في 3 يوليو 2013) في مشهد ركّز على الشكل أكثر من النقاش السياسي.
الشكل المزيف
ومن الشكل الذي قفزوا به ترأس الجلسة النائبة الأكبر سنًا، بمساعدة أصغر الأعضاء عمرًا، وفقًا للائحة الداخلية، قبل انتخاب رئيس المجلس وهيئة المكتب. وفي اليوم نفسه، صدر قرار رئاسي بتعيين 28 نائبًا، ليكتمل تشكيل المجلس البالغ 596 عضوًا.
التركيبة النهائية لمقاعد الرشوة والمال السياسي تكشف ميزان القوى داخل "برلمان" السيسي:
حزب مستقبل وطن حصل على 231 مقعدًا.
حماة وطن حصل على 91 مقعدًا.
الجبهة الوطنية حصل على 70 مقعدًا.
المستقلون حصلوا على 109 مقاعد دون كتلة موحدة.
بينما لم تتجاوز حصة أحزاب المعارضة مجتمعة 10% من المقاعد.
لا رقابة ولا تشريع
هذه الأرقام تشير إلى أغلبية واسعة داعمة للسلطة التنفيذية، ومعارضة محدودة التأثير. ويرى متخصصون في النظم البرلمانية أن هذه التركيبة تجعل البرلمان «مريحًا للحكومة»، لكنه أقل قدرة على ممارسة الرقابة أو إنتاج نقاش سياسي حقيقي. ويشير خبراء إلى أن رؤساء غرفتي البرلمان في الدورات الأخيرة جاءوا من خلفيات تنفيذية أو إدارية، ما يعزز الانطباع بأن دور البرلمان يميل إلى الطابع الإجرائي أكثر من كونه سلطة مستقلة.
ويزعم متخصصون في النظم البرلمانية أن طول العملية الانتخابية لم ينعكس على تنوع سياسي أوسع، بل كشف عن اضطراب إجرائي أثّر على ثقة الناخبين.
وصدرت منذ 2016، عن برلمان العسكر قرارات وتشريعات مهمة، لكن مراقبين يشيرون إلى أن أغلبها جاء بمبادرة حكومية، بينما لم تُسجّل حالات رقابية بارزة أو مساءلات مؤثرة. كما شهدت الدورات السابقة معدلات مرتفعة من الموافقة على مشروعات القوانين الحكومية، تجاوزت في بعض السنوات 95% من إجمالي التصويتات.
يُشار إلى أن سياسه القفز الي الامام وشراء الوقت وعدم مصارحه الشعب بحقيقه الوضع الاقتصادي، زود بها السيسي فاتورة ما بعده بشكل كبير جدا في كل المجالات ولم يفلت منه إلا النذر اليسير.
وبحسب الإعلامي نور الدين عبدالحافظ فإن "سياسة القفز إلى الامام معروفة ويستخدمها السيسي كلما تزاحمت عليه المشاكل مثل أن يتم الاعلان عن حادث ( ارهابي ) وفق الدراما المشهورة والمعروفة .. ".
ويبدأ "برلمان" العسكر (3) فصله الجديد بأغلبية واسعة، ومعارضة محدودة، وانتخابات طويلة انتهت دون تغييرات جوهرية في المشهد السياسي. ورغم اكتمال الإجراءات، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة المجلس على أداء دور رقابي وتشريعي فعّال خلال السنوات المقبلة.
وتكتمل الإجراءات الشكلية بدقة، ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع البرلمان أن يتحول إلى ساحة نقاش وتمثيل حقيقي، أم يستمر في أداء دور محدود في إطار سياسي محكوم سلفًا؟
ويدخل البرلمان الجديد فترته التشريعية وسط مشهد سياسي يتسم بقدر كبير من الانغلاق، ووسط تساؤلات حول مدى قدرته على لعب دور فعّال في التشريع والرقابة.
