أثارت التقارير المتواترة عن قيام الطيران المصري باستهداف قافلة عسكرية إماراتية كانت في طريقها لدعم قوات “الدعم السريع” في السودان موجة واسعة من التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين القاهرة وأبوظبي، في وقت يواصل فيه نظام عبدالفتاح السيسي إهدار الأصول المصرية الاستراتيجية لصالح الإمارات دون مقابل سياسي أو اقتصادي حقيقي.
وتحدثت تقارير متطابقة عن ضربة جوية مصرية استهدفت رتلاً عسكرياً محملاً بالأسلحة والعتاد في منطقة المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، قادماً من الإمارات عبر قوات خليفة حفتر، وذلك قبل أيام من استقبال القاهرة صدام حفتر، في رسالة وُصفت بأنها تحذير مباشر لأبوظبي وأذرعها العسكرية.
ضربات مكتومة.. وخلاف مؤجل انفجر في السودان
الضربة الأخيرة لم تكن، بحسب مصادر مطلعة، الأولى من نوعها، إذ أكدت تقارير أن القوات الجوية المصرية نفذت عمليات سرية سابقة ضد أرتال إمداد إماراتية متجهة إلى قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خصوصاً قبيل التطورات العسكرية التي سبقت سقوط مدينة الفاشر، خلال نوفمبر الماضي.
ورغم التزام القاهرة الصمت الرسمي، إلا أن سلوك النظام المصري يعكس تحوّلاً اضطرارياً فرضته تعقيدات إقليمية متشابكة، في مقدمتها الصدام غير المعلن بين السعودية والإمارات حول النفوذ في السودان، ما وضع السيسي في موقف بالغ الحساسية، بين التمويل الإماراتي والغطاء السياسي السعودي.
السيسي بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان
مصادر سياسية ترى أن استهداف خطوط إمداد “الدعم السريع” لم يكن قراراً سيادياً مستقلاً، بقدر ما كان ثمناً سياسياً لإرضاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في ظل توتر متصاعد بين الرياض وأبوظبي بشأن إدارة الحرب السودانية، ومسارات التسليح غير المنضبطة.
وفي هذا السياق، اضطرت أبوظبي إلى تغيير مسارات رحلات الشحن العسكرية بعد إغلاق المجال الجوي السعودي أمام طائراتها، لتسلك طرقاً أطول عبر تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، وهو ما كبّدها خسائر لوجستية كبيرة، وسط تقارير تؤكد أنه منذ 9 يناير لم تُرصد أي طائرة شحن إماراتية في الأجواء السودانية.
ليبيا ساحة تصفية حسابات إقليمية
ويرى مراقبون أن الجنوب الليبي تحوّل إلى مسرح اشتباك غير مباشر بين حلفاء الأمس، حيث لم تعد القاهرة قادرة على تجاهل التمدد الإماراتي عبر حفتر، خاصة حين بات هذا التمدد يهدد الأمن القومي المصري ويضعها في مواجهة غير مباشرة مع السعودية.
وتشير تحليلات إلى أن السيسي، الذي قدّم للإمارات موانئ وأراضي وشركات استراتيجية في مصر، وجد نفسه أمام لحظة كاشفة: الدعم الإماراتي لم يكن ضمانة لتحالف دائم، بل ورقة ضغط تتبدل بتبدل المصالح.
استعادة دور أم إقرار بالعجز؟
في المقابل، يحاول الإعلام الرسمي وحلفاؤه تسويق الضربات باعتبارها استعادة للدور الإقليمي المصري، غير أن معارضين يرون أن ما جرى يعكس مأزقاً بنيوياً للنظام الذي فرّط في مقدرات الدولة، ثم اضطر لاحقاً للدخول في اشتباكات محدودة لحماية ما تبقى من هامش المناورة.
ويحذر محللون من أن تحويل ليبيا والسودان إلى ساحات صراع بالوكالة لن ينتج استقراراً، بل سيضاعف من هشاشة الدول، ويكشف كلفة السياسات القائمة على الارتهان للخارج وبيع الأصول مقابل دعم مؤقت.
هل انتهى شهر العسل المصري–الإماراتي؟
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان الصدام قد بدأ، بل إلى أي مدى يمكن للسيسي الاستمرار في موازنة مستحيلة:
تفريط اقتصادي لصالح أبوظبي،
وتنازل سياسي للرياض،
وتورط أمني على حدود ملتهبة.
في ظل هذه المعادلة، تبدو العلاقة المصرية–الإماراتية أقرب إلى تحالف مأزوم، تحكمه المصالح لا الثقة، وقد يكون ملف السودان هو أول اختبار علني لانهيار تفاهمات جرى بناؤها على حساب السيادة المصرية.
