تتطور مواقف مصر بشأن الحرب في السودان، والتي بدأت بمرحلة دعم الحوار لحل الأزمة بين جبهتي الصراع على السلطة، الجيش وقوات الدعم السريع، من خلال العمل الدبلوماسي والانخراط في الوساطات، لتنتقل إلى التركيز على إعلان الدعم السياسي لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسّساته، في اقتراب أكبر مع الجيش وتكثيف للتنسيق مع قوى إقليمية لتبني المواقف نفسها، وصولاً إلى محطة ثالثة تمثلت أخيراً، عقب زيارة رئيس مجلس السيادة قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، القاهرة، في التلويح بتقديم كل سبل الدعم والمساندة للدولة السودانية، مع إعلان خطوط حمراء تتعلق بخطر انزلاق الصراع نحو التقسيم، ما يعكس انتقالاً من خطاب يراقب التوازن ويتابعه ويراعيه، ولغة دبلوماسية تتحسّب للتدخل المباشر، إلى إعلان الانحياز والدعم الصريح للجيش سياسيّاً وعسكريّاً. وجاء هذا التحول في بيان أصدرته القاهرة عقب زيارة البرهان، وفى سياق احتدام المواجهات، وتطورات ميدانية ترافق معها فظائع أشار إليها البيان، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم في مدينة الفاشر في أقليم دارفور، في تأكيد رفض التعاطي مع قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، وافتقدها الشرعية، وتوصيفها بأنها مكوّنات موازية تسعى إلى الانقسام، مع ربط الاستعداد بالتدخل، بالحفاظ على الأمن القومي المصري، المقرون بوحدة السودان وسلامة مؤسّساته، في إعلان الانحياز إلى الجيش السوداني والاستعداد لدعمه، ودعوة القوى الدولية والإقليمية إلى هذا المسار. ويأتي هذا الموقف في أعقاب فشل ممتد للجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب، بما في ذلك مسار الرباعية الدولية، التي يشير البيان إلى الحرص على الاستمرار في العمل ضمن إطارها، رغم أنها، ضمنيّاً، لم تنجح في أداء دور فاعل آليةَ تفاوض. وينسحب هذا التقييم كذلك على مشاوراتٍ سابقة، مباحثات المنامة وجنيف، إضافة إلى الأطر الأفريقية، ولا سيما منظمة الإيغاد والاتحاد الأفريقي. تبدو مصر حريصة على إبراز أن تحرّكاتها منسّقة، وليست تدخلًا من دون مبرّرات، وتستند إلى شرعية قانونية ودعم إقليمي وأميركي وضمن أطر القانون الدولي وفي هذا السياق، طرح الخطاب المصري المتصاعد، وللمرّة الأولى بهذا القدر من الوضوح، موقفه من طرفي الصراع، ومن آليات الوساطة، وكذلك من فكرة الانخراط المباشر واتخاذ إجراءات تستند إلى مسوّغات قانونية. ويعكس ذلك انتقال القاهرة من موقع الوسيط بين طرفين إلى انحياز واضح إلى صالح الجيش، مع تبنّي مسار يقوم على الردع ورفض الاعتراف بالمليشيا وتهديدها لوقف تمدّد الهجمات نحو شمال السودان وشرقه، لما قد يترتب على هذا من خسائر ميدانية إضافية للجيش، تقل معها فرص التوصل إلى تسوية سياسية. التطورالذي حمله بيان رئاسي اتسم بنبرة تصعيدية واضحة، أعقبه بيان آخر أقل حدّة، وبطابع بروتوكولي، ما يعكس تبايناً في الخطاب، مع استدراك بإضافة قضايا إقليمية تتعلق بأمن القرن الإفريقي وملف سد النهضة، في إشارة إلى تشابك أزمة السودان مع دوائر أمنية وجيوسياسية أوسع، وتهديدها استقرار كل الإقليم، بما يعني تكرار الرسائل إلى القوى ذات المصلحة إقليميّاً ودوليّاً، وتأكيد مبرّرات استخدام القوة واحتمالاته مستقبلاً. ورغم اختلاف النبرة، تبقى المضامين العامة للبيانين متقاربة؛ إذ ركز الأول، الذي صدر بصيغة بيان صحافي، ربما للمناورة، توجيه الإنذار السياسي والعسكري بإمكانية التدخل، مستندًا إلى إطارين رئيسيين: الأول، مظلة شرعية مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان وقواعد القانون الدولي. والثاني، سياسي يتحصّن بموقف (ومصالح) القوى الإقليمية المتأثرة بالحرب مع الاستناد إلى موقف واشنطن، حيث ورد، في صدر البيان، دعم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن نياته التدخل، واسمها "مبادرة ترامب" في محاولة لتشكيل إطار أكثر قوة لتتجاوز إخفاق محاولات الوساطة، وتغليف الموقف المصري بتفاهم أميركي إقليمي، تشارك فيه القاهرة مع الرياض وأنقرة. وتبدو مصر حريصة على إبراز أن تحرّكاتها منسّقة، وليست تدخلًا من دون مبرّرات، وتستند إلى شرعية قانونية ودعم إقليمي وأميركي وضمن أطر القانون الدولي، بما يمهّد لأي خطوات محتملة، في حال استمرّ تقدم الدعم السريع عسكرياً، ورفض مقترحات الهدنة، وإن قبلها شكليّاً.
ومع استمرار الحرب وما تخلفه من كوارث، يتزايد شعور القاهرة بالمخاطر، ما يدفعها إلى دعم كفّة الجيش سياسيّاً، والتلويح بإمكانية دعمه عسكرياً بدرجة أكبر، استناداً إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 1976، والتي عاد النقاش حولها، مع إعادة القاهرة ترتيب علاقاتها الأفريقية، وظهور تحدّيات متشابكة، سد النهضة، وتالياً الصراع في ليبيا واليمن، وأمن البحر الأحمر، ضمن بيئة إقليمية غير مستقرّة، ووقوع مصر في قلب هذا المشهد، بما يدفعها إلى الانخراط تبعاً لحجم المخاطر والتداعيات، وهو الأمر نفسه الذى يحدّد مسار تحرّكها في السودان، وتنسيقها إقليميّاً في قضايا عدة، جديدها أخيراً البيان المشترك مع الصومال وتركيا وجيبوتي الذي يدين اعتراف إسرائيل بأرض الصومال والذى يجيء بعد تمهيد في سنوات سابقة، تصاعد في محطتين، الاتفاقيات الإبراهيمية، والعدوان على غزة، وبحث تل أبيب على نفوذ أكبر في البحر الأحمر. تعوّل القاهرة على أن تلعب واشنطن دور القوة الدافعة والضاغطة مع أدوار الفاعلين الإقليميين في السودان وتبرز التطورات الميدانية المتسارعة، ومسار المواجهات العسكرية في السودان، من أهم سياقات تحديد موقف القاهرة؛ إذ تسيطر قوات الدعم السريع على خمس ولايات في الغرب من أصل 18 ولاية، وتسعى إلى تثبيت هذا التوسع مع محاولة التمدد شمالاً وشرقاً، واستطاعت فعليّاً في الأسابيع الأخيرة إلحاق خسائر بالجيش في مناطق التماس عبر مهاجمة ولايات كردفان، الغنية بالموارد، وتصاعدت هجماتها بالطائرات المسيّرة والمدفعية، مدعومة بتحالفها مع الحركة الشعبية (فصيل عبد العزيز الحلو)، وفي مناطق ذات طبيعة جغرافية يصعب فيها الحسم العسكري، خصوصاً مع ما تحظى به الحركة من دعم اجتماعي، وسبق أن سيطرت على محطة التكرير في 2012، بينما في هجومها هذه المرّة، انسحب أفراد من الجيش، وسلموا معداتهم لجنوب السودان التي تؤمن حالياً الموقع باتفاق بين طرفي الصراع. وتمارس قوات الدعم السريع تكتيكاتٍ تسعى إلى زيادة الضغط على السلطة، وإحراجها، بجانب حرمانها من الموارد، وضمن ذلك الهجوم على محطّات كهرباء، ما أدّى إلى قطع الخدمة، في مناطق عدة، وكذلك اقتحام مستشفيات ومدارس وتحويل بعضها إلى ثكنات، وسجن آلاف في دارفور، ووقائع أكثر إيلاما، كما الخطف وطلب الفدية، وجرائم بحقّ النساء متكرّرة. وتسعي القاهرة، عبر الحراك الإقليمي والدولي، إلى الاقتراب من هدف وقف إطلاق النار، والتسوية السياسية، اذ تنسّق مع السعودية وتركيا، التي شهدت زيارة وفود سودانية، في تكثيف لوتيرة الاتصالات الدبلوماسية، بينها زيارة البرهان في جولة إقليمية إلى أنقرة والرياض والقاهرة، واتصالات بين العواصم الثلاث، خلال الشهرين الماضيين، إلى جانب انخراط أميركي يهدف إلى كبح تدفقات الدعم الخارجي للمليشيا. ويبدو أن واشنطن، التي أعلن وزير خارجيتها، روبيو، سعيها إلى التوصل إلى حل مع بداية العام الجديد، تعوّل على دور فاعل للقوى الإقليمية، ويتصل ذلك بخيوط إقليمية تتلاقى، حول تدويل أزمة السودان، ظهر في زيارة رئيس حكومتها ، كامل إدريس، واشنطن وطرحه في اجتماع لمجلس الأمن (22 ديسمبر/ كانون الأول 2024) مبادرة لتحقيق السلام والمصالحة الوطنية، يأمل في تمريرها أممياً، وتبدأ بهدنة وحصر وجود "المتمرّدين" في مناطق محددة، مع مراقبة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، بينما بعد عودته إلى الخرطوم، قال إن بلاده تنتقل من خانة التلقّي إلى الدولة التي تقدّم مبادرة تعرضها على المجتمع الدولي، مصرّحاً برفض وجود قوات أجنبية في السودان، ما يعني ارتباكاً في جبهة المجلس السيادي في التعاطي مع التفاهمات الإقليمية، ومطالبات بتمرير هدنة، والاستفادة من ظرف دولي بين ملامحه، موقف واشنطن، وما أسمتها القاهرة "مبادرة ترامب" وفرض واشنطن (وبريطانيا) عقوبات على أفراد مرتبطين بـ"الدعم السريع"، ومرتزقة كولومبيين، وهو ما ينسجم مع توجهات ترامب وتصريحات عدائية لبعض دول أميركا اللاتينية، والتي ترجمها في استراتيجية الأمن القومي المقدمة للكونغرس . من الصعب أن تشهد الأزمة تدخّلا مصرياً أكبر، فالخطوط الحمراء للقاهرة تحتاج إلى اتفاق وترتيبات إقليمية ودولية للتدخّل إذ جرى كسره في المحصلة، يرتبط الموقف المصري بتهديدات الحرب في السودان وتطورات الموقف الميداني، وخشية من انهيار مؤسّسات الدولة بالكامل، أو سيطرة "الدعم السريع" على مناطق جديدة، بفعل الدعم الخارجي واستثمار التناقضات السياسية والاجتماعية، فتكون في موقع المنتصر، وهذا يزيد أزمة السودان، في بلدٍ يعاني أصلًا مأزقاً سياسياً عميقاً منذ انقلاب الجيش على المسار الانتقالي بعد الثورة، والتي يطالب جمهورها بإنهاء الحكم العسكري، في شعار "العسكر إلى الثكنات، والجنجويد ينحل، ورفعه مئات المتظاهرين في ذكرى الثورة، في منطقتين تحت سيطرة حكومة السودان، قبل أن يفرقهم جهاز الأمن.
كما يتقاطع خطاب القاهرة مع تحرّك أميركي سعودي ودور تركي، وتعوّل القاهرة على أن تلعب واشنطن دور القوة الدافعة والضاغطة مع أدوار الفاعلين الإقليميين، ويأتي الضغط من أجل فرض تسوية دبلوماسية، تقوم على هدنةٍ يليها مسار سياسي. وفي هذا الإطار، يظل استخدام مفهوم الردع الأداة الأبرز، مع بقاء خيار الانخراط بشكل أكبر مطروحاً، وإن كان مشروطاً بتطورات الميدان واستجابة "الدعم السريع" لمطالب وقف عملياته والانخراط في مسار التفاوض، وأي تدخّل عسكري بشكل مباشر في المدى القصير، سيظل مرهوناً بفكرة الغطاء الدولي، وبدفع من واشنطن واتفاق الأطراف الإقليمية عليه، أي تدويل للأزمة. وبدون هذه الشروط، من الصعب أن تشهد الأزمة تدخّلاً مصرياً أكبر، فالخطوط الحمراء للقاهرة تحتاج إلى اتفاقٍ وترتيبات إقليمية ودولية للتدخّل إذ جرى كسرها.
عن العربي الجديد

