القاهرة وقّعت وراكمت الصمت حتى صار السد أمراً واقعاً
بعد أكثر من عقد من المراوحة السياسية والتفريط التفاوضي، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح الوساطة الأميركية في ملف سد النهضة، في توقيت يراه مراقبون متأخراً، بعدما استكملت إثيوبيا فعلياً مراحل المشروع كافة، وفرضت واقعاً جديداً على مصر والسودان.
وجاء العرض الأميركي في رسالة شكر بعث بها ترامب إلى عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بدوره في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، وبما وصفه “القيادة المصرية” في إدارة الملفات الإقليمية، متعهداً بإعادة إطلاق الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا بشأن تقاسم مياه النيل.
صمت طويل… ونتيجة واحدة
وخلال سنوات التفاوض، وقّعت القاهرة على اتفاقات إطار، أبرزها اتفاق المبادئ عام 2015، دون ضمانات ملزمة لحقوقها المائية، فيما التزمت سياسة الانتظار وعدم التصعيد، حتى أكملت إثيوبيا السد وبدأ تشغيله، لتجد مصر نفسها أمام معادلة بالغة الخطورة:
قصف السد يعني غرق مصر والسودان
وتركه يعني تعريض المصريين للعطش التدريجي
ويرى محللون أن ما تصفه السلطة بـ«الحكمة السياسية» انتهى إلى أخطر تهديد مائي تواجهه مصر في تاريخها القديم والحديث، دون بدائل جاهزة سوى اللجوء المكلف لتحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف، كحلول اضطرارية لا تعوض فقدان حصة النيل.
شكر أميركي… وثمن سياسي
ولم يكن لافتاً عرض الوساطة وحده، بل السياق السياسي المصاحب له، إذ شكر ترامب السيسي صراحة على دوره في غزة، بما في ذلك إغلاق الأنفاق وتشديد الحصار ومنع تدفق السلاح إلى المقاومة الفلسطينية، وهو ما اعتبره مراقبون ثمناً سياسياً مباشراً تتلقاه القاهرة مقابل أدوار إقليمية تصب في مصلحة إسرائيل.
وتحدث ترامب في رسالته عن مخاوفه من تحول الخلاف حول السد إلى صراع عسكري، مؤكداً أن واشنطن لا تريد أن تسيطر دولة واحدة على موارد النيل، غير أن هذه التصريحات تأتي بعد أن أصبح السد أمراً واقعاً، وبعد أن فقدت مصر أوراق الضغط الأساسية.
وساطة بعد فوات الأوان
وبينما يتحدث ترامب عن “اتفاق دائم” و”إدارة عادلة للمياه”، يرى متابعون أن أي وساطة الآن لن تغيّر جوهر الأزمة، بعدما اكتملت البنية الإنشائية والتشغيلية للسد، وأصبحت مصر أمام خيارات محدودة، صنعتها سنوات من الإهمال السياسي وغياب الرؤية الاستراتيجية.
وفي المحصلة، يعود ملف سد النهضة إلى الواجهة، لا بوصفه أزمة تفاوضية، بل كأحد أكبر ملفات التفريط السيادي، في وقت تُمنح فيه القاهرة وعوداً أميركية متأخرة، مقابل أدوار إقليمية أثقلت كاهل المصريين، دون أن تحمي حقهم التاريخي في مياه النيل.
