تقدّم وزارة الأوقاف المصرية منذ عام 2014 خطابًا متكررًا حول “الطفرة غير المسبوقة” في بناء المساجد، وتستند في ذلك إلى رقم واحد يتكرر في كل مناسبة: 13,971 مسجد تم “إنشاؤها أو إحلالها أو تجديدها أو صيانتها”.
ورغم أن الرقم يبدو ضخمًا، إلا أن تفكيكه يكشف فجوة واسعة بين الإنجاز الحقيقي والخطاب الدعائي، ويثير أسئلة حول حجم التمويل، وطبيعة المشروعات، ودور الدولة مقارنة بالدور الشعبي.
وعند مراجعة البيانات التفصيلية التي تنشرها الوزارة في دفعات الافتتاح، يتضح أن الإنشاءات الجديدة قليلة للغاية وعلى سبيل المثال افتتحت الأوقاف 48 مسجدًا 8 فقط إنشاء جديد خلال الفترة من 2024 إلى اليوم وافتتحت 220 مسجدًا أغلبها “إحلال وتجديد” لمساجد قائمة والقائم على كل هذه الانشاءات الجديدة أو الإحلال والتجديد الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ومقاولو الباطن.
والجزء الأكبر من الرقم الضخم هو تجديد وصيانة، وليس بناء مساجد جديدة وهو ما تجلى في مسجد العزيز الحكيم الذي أدى السيسي فيه صلاة الفجر بحضور رسمي وأعيد الافتتاح الرسمي في صلاة الجمعة بحضور أسامة الأزهري ومفتي الديار العسكرية فضلا عن أن الهيئة الهندسية هي المنفّذ وعنوان المشروع خطة “إحلال وتجديد وصيانة وفرش المساجد” ويبدو أن غياب السيسي عن الجمعة كان لدواعي أمنية الأمر الذي قلبه اللجان إلى حضور مبكر ونشاط!
المثير للدهشة أنه لا يوجد بيان واحد يذكر التكلفة، رغم كثافة التغطية الإعلامية عن حجم المسجد ومآذنه وقبابه الثمانية. وفسّر مراقبون ذلك التجهيل بغياب التكلفة في بيان رسمي، من أن التمويل جاء من ميزانيات غير معلنة، أومن جهات سيادية، أو أن الدولة تتجنب الإفصاح عن التكلفة لاعتبارات سياسية أو إعلامية.
والرقم المعلن من الأوقاف ومتحدثها اسامة رسلان—13,971 مسجد—لا يعني بناء 13 ألف مسجد جديد، بل يشمل كل أنواع التدخلات سواء بإنشاء جديد -وهو لا يمثل 3 % – وإحلال وتجديد وصيانة وتطوير وفرش ودهانات وإصلاحات بسيطة.
التكلفة لا تعكس حجم الإنشاء الحقيقي الذي تقول الوزارة إن تكلفة “إعمار المساجد” بلغت 24.886 مليار جنيه منذ 2014 وحتى اليوم وبما أن الإنشاءات الجديدة قليلة، فهذا يعني أن الجزء الأكبر من الأموال صُرف على تجديدات وصيانات، وليس على بناء مساجد جديدة.
ففي مدينة 6 أكتوبر، محافظة الجيزة هناك مسجد المدينة الجامع الذي يقف خارج الخدمة منذ أكثر من 25 عامًا، رغم مساحته التي تتجاوز 2000 متر وموقعه الحيوي خلف ميدان فودافون بالحي 12. وظل المسجد مشدودًا على السقالات ومحاطًا بمواد البناء دون أي تقدم حقيقي، بينما تعاقبت أجيال كاملة دون أن يُفتتح.
المؤسسة المسئولة عن البناء هي مؤسسة عمر جنيدي، التي لم تُكمل المشروع طوال ربع قرن. هذا التعطّل حوّل المسجد إلى مبنى مغلق بلا دور اجتماعي أو ثقافي، وأثار استياء السكان الذين يطالبون وزارة الأوقاف وجهاز المدينة بالتدخل، وكشف أسباب التعطيل، وإنهاء الأعمال أو سحب المشروع من الجهة المقصّرة.
واقع المساجد الأهلية يعلمه المصريون جيدا ويشير إلى أن أغلب المساجد في مصر أهلية، أي مبنية بتمويل شعبي كامل والتقديرات تشير إلى وجود 120–140 ألف مسجد في مصر، بينما تمتلك الوزارة حوالي 60 ألف إمام وخطيب فقط.
ما يعني ان عشرات الآلاف من المساجد بلا خطيب حكومي أو تمويل أو صيانه أو أجور الخطباء ومقيمي الشعائر وخادم المسجد بل والكهرباء والمياه من أموال الأهالي (تبرعات – جمعيات خيرية -مبادرات محلية).
والحديث عن “إنجازات الدولة” في بناء المساجد يتجاهل الدور الشعبي تمامًا، ويقدّم صورة غير دقيقة عن حجم التمويل الحكومي الفعلي في حين أن المساجد الذي دشنها السيسي في الصحراء تتكلف مبالغ طائلة فمسجد الفتاح العليم في العاصمة الإدارية هو المسجد الوحيد الذي أعلنت الدولة تكلفته رسميًا وقدرت بـ400 مليون جنيه شملت (200 مليون للمسجد + 200 مليون للكاتدرائية المجاورة)!
و(مسجد مصر / مسجد الدولة – العاصمة الإدارية) أكبر مسجد في الشرق الأوسط، بمآذن بارتفاع 140 مترًا وقبة ضخمة ولم تُعلن أي جهة رسمية تكلفته إلا أن التقديرات الهندسية تشير إلى 3–5 مليارات جنيه.
والتنفيذ بالكامل للهيئة الهندسية للقوات المسلحة كما في حالة مسجد العزيز الحكيم – المقطم، المقام على مساحة 4 أفدنة وسعة 8600 مصلٍ مع غياب الشفافية في هذه المشروعات الضخمة.
وقال مراقبون إن أوقاف السيسي تبالغ ضمن توظيف سياسي وإعلامي حيث تستخدم المساجد كرمز لإظهار تدين و"استقرار" و"إنجاز" و"شرعية".
كما تغيب البيانات التفصيلية إلى حد بعيد فلا توجد تقارير توضح كم مسجدًا بُني من الصفر وكم مسجدًا جُدد فقط وكم مسجدًا صُرف عليه ملايين مقابل آخرين صُرف عليهم آلاف مقابل نقص مؤثر في الفصول والمدارس ونقص أسرة في المستشفيات وغياب لجهد الدولة في الصرف الصحي في القرى والمراكز وتهالك الطرق إلا أن الأوقاف تعلن ضخ مليارات في مساجد عملاقة لا تخدم سوى مناطق محدودة أغلبها صحراء.
وقال مراقبون إنه وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يصبح من الضروري إعادة النظر في هذا الملف، وتوجيه الموارد إلى ما يحتاجه المجتمع فعلًا، مع تقديم بيانات دقيقة وشفافة حول حجم الإنفاق العام.
