لم يكد برلمان الانقلاب الجديد يبدأ فصلاً جديداً من فصوله، حتى وجد نفسه أمام فضيحة مدوية بطلها نائب حديث القسم، صدر بحقه حكم قضائي بالحبس في قضية نصب واحتيال، في مشهد يلخص طبيعة الحياة السياسية التي أعاد عبد الفتاح السيسي تشكيلها منذ انقلابه على السلطة المدنية.
فقد كشفت وثائق رسمية، وفقا لموقع العربي الجديد، عن صدور حكم من محكمة جنح الهرم، يقضي بحبس النائب البرلماني أحمد الشناوي، عضو مجلس النواب عن حزب “مستقبل وطن”، لمدة 6 أشهر مع الشغل، في قضية نصب واستيلاء على أموال مواطن، باستخدام مشروع وهمي كوسيلة احتيال، وذلك رغم أدائه اليمين الدستورية نائباً عن الشعب قبل صدور الحكم بيوم واحد فقط.
الحكم، الصادر باسم الشعب، لم يكن محل شك قانوني، إذ أكدت المحكمة توافر أركان جريمة النصب كاملة، واعتمدت على أقوال المجني عليه، وغياب المتهم عن جلسات المحاكمة رغم إعلانه قانونياً، لتدين نائب حزب الأغلبية إدانة صريحة.
لماذا يختار السيسي “أصحاب السوابق”؟
قضية الشناوي ليست استثناءً، بل نموذجاً متكرراً داخل حزب “مستقبل وطن”، الذي تحول إلى المظلة السياسية الرئيسية للنظام العسكري. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يحرص السيسي على الدفع بشخصيات تحوم حولها شبهات، أو تورطت فعلياً في قضايا جنائية ومالية، إلى واجهة العمل السياسي؟
الإجابة لا تتعلق بسوء اختيار عارض، بل بمنهج متكامل يقوم على قاعدة قديمة في أنظمة الحكم الشمولي:
“المتورط أسهل في السيطرة من النظيف”.
وجود ملفات قضائية، أو شبهات أخلاقية ومالية، يمنح الأجهزة الأمنية والعسكرية سلاحاً دائماً للابتزاز السياسي، ويحول النائب أو القيادي الحزبي إلى تابع لا يملك قراراً مستقلاً، ولا يجرؤ على التمرد أو الاعتراض.
حزب بلا سياسة… مليء بالملفات
منذ تأسيسه، امتلأ حزب “مستقبل وطن” بنماذج لنواب ورجال أعمال جرى تداول أسمائهم في قضايا تتعلق بالفساد أو النصب أو استغلال النفوذ، بحسب ما نشرته صحف ومواقع مستقلة وحقوقية، دون أن ينعكس ذلك على مواقعهم داخل الحزب أو البرلمان.
بل على العكس، تحوّل الحزب إلى مأوى سياسي يوفر الحصانة والغطاء، ما دام العضو ملتزماً بالتصويت، والتصفيق، وتنفيذ التعليمات القادمة من أعلى، دون نقاش أو مساءلة.
من “لجان الكنترول” إلى برلمان 2026
هذا الأسلوب ليس جديداً في تاريخ الحكم العسكري بمصر. فقد استخدم نظام جمال عبد الناصر، عبر مدير المخابرات صلاح نصر، ما عُرف بـ“لجان الكنترول”، حيث جرى تصوير سياسيين وفنانين في أوضاع مخلة، لاستخدامها لاحقاً في السيطرة والابتزاز.
اليوم، لم تعد الكاميرات الخفية هي الأداة الأساسية، بل الملفات القضائية والاقتصادية، التي تُفتح أو تُغلق حسب درجة الولاء. والنتيجة واحدة: نخبة سياسية فاقدة للاستقلال، وبرلمان منزوع الدسم، وحزب حاكم يقوم على الانحراف لا الكفاءة.
برلمان تحت الطلب
قضية نائب محكوم عليه بالحبس، يجلس تحت القبة ويمثل “الشعب”، ليست مجرد واقعة قانونية، بل دليل إضافي على أن النظام لا يبحث عن نواب يشرّعون أو يراقبون، بل عن أدوات طيعة، يمكن التحكم فيها بالخوف، لا بالقانون.
وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو البرلمان سوى امتداد لغرف الأجهزة، ولا حزب “مستقبل وطن” سوى نسخة مدنية لسلطة عسكرية، تحكم بالملفات… لا بالثقة ولا بالشرعية.
