فى الوقت الذى تتصاعد فيه أصوات جمعيات الرفق بالحيوان مطالبة بحماية كلاب الشوارع من القتل ومن اعتداءات المواطنين وتوفير أماكن آمنة لها تسارع حكومة الانقلاب إلى إنشاء ملاجئ آمنة للكلاب وتوفير الرعاية الصحية والغذائية لها وفى الوقت ذاته تتجاهل حكومة الانقلاب حماية المواطنين من هذه الكلاب وهو ما يكشف عن السياسات الكارثية التى تتبناها هذه الحكومة التى لا تعير المصريين أى اهتمام وكأنهم فى منزلة أقل من الكلاب .
وإذا كان المدافعون عن حقوق الحيوان يطالبون بالتعامل مع الظاهرة وفق أسس علمية وإنسانية قائمة على التعقيم والرعاية، يرى قطاع واسع من المواطنين أن تزايد أعداد الكلاب داخل الأحياء السكنية بات يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن والسلامة العامة، خاصة مع تكرار حوادث الهجوم والعقر.
واقعة حي المناخ
كان أحد شوارع حي المناخ بمحافظة بورسعيد، قد شهد تحول لحظات اعتيادية في حياة مسنّ يبلغ من العمر 75 عامًا إلى مأساة إنسانية. الرجل، الذي اعتاد المرور يوميًا من الشارع نفسه، تعرّض لهجوم عنيف من مجموعة من الكلاب الضالة، أسفر عن إصابات بالغة.
ورغم نقله لتلقي الإسعافات اللازمة، فإنه لفظ أنفاسه الأخيرة إثر توقف مفاجئ في عضلة القلب، متأثرًا بما تعرّض له.
الحادثة، التي هزّت الرأي العام، لم تكن الأولى من نوعها، لكنها كانت كافية لإعادة طرح السؤال الذى تتجاهله حكومة الانقلاب : كيف يمكن حماية الإنسان قبل البحث عن حقوق الحيوان؟
يُشار إلى أن كلا من محافظتى القاهرة والجيزة كانتا قد أعلنت عن تخصيص قطعة أرض خارج التجمعات السكنية لإيواء الكلاب الضالة، في خطوة تهدف إلى تقليل الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان، وتوفير بيئة آمنة يمكن من خلالها متابعة الحالة الصحية للكلاب، وإجراء عمليات التعقيم والتطعيم اللازمة.
صحة الإنسان
فى هذا السياق قال الدكتور شهاب عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان، إن الاهتمام بصحة الإنسان يجب أن يأتي في المقام الأول، دون أن يعني ذلك إهمال صحة الحيوان، مستشهدًا بمبدأ «الصحة الواحدة» الذي بات معتمدًا عالميًا، ويربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
وأوضح عبد الحميد فى تصريحات صحفية أن التعامل مع الكلاب داخل الملجأ سيخضع لقواعد واضحة وصارمة، بإشراف مباشر من الهيئة العامة للخدمات البيطرية، لافتا إلى أن هذه القواعد تشمل آليات محددة لعمليات التعقيم والتحصين والتغذية، بما يضمن الحفاظ على صحة الحيوانات وجودة الرعاية المقدمة لها.
وأشار إلى أن التخطيط لإقامة الملجأ يقع بالأساس على عاتق الهيئة العامة للخدمات البيطرية بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية بحكومة الانقلاب، فيما يقتصر دور الجمعية على تقديم الرؤية الفنية والدعم الفكري، باعتبار أن المشروع مسئولية حكومة الانقلاب .
وشدد عبد الحميد على ضرورة أن تكون هناك استجابة مجتمعية أوسع، سواء من المواطنين أو الجهات الرسمية، للمساهمة في دعم المشروع ماديًا وعلميًا، بما يضمن استمراريته.
وانتقد بعض الممارسات التي تقوم بها جمعيات تجمع التبرعات دون توجيهها بشكل فعّال، مؤكدًا ضرورة توحيد الجهود بدلًا من العمل بشكل منفرد يفتقر إلى الرقابة والتنسيق.
الهرم الغذائي
وكشفت الطبيبة البيطرية، الدكتورة شيرين زكي، أن محافظة الجيزة خصصت بدورها قطعة أرض لإقامة ملجأ للكلاب الضالة، في خطوة مماثلة لتحرك محافظة القاهرة، ضمن إطار أوسع لتنظيم وجود الحيوانات داخل المدن.
وأوضحت شيرين زكي فى تصريحات صحفية أن القانون الجديد لم يتضمن أي نص يسمح بقتل أو إبادة الكلاب، بل جاء لتنظيم اقتناء الأنواع الخطرة، واستبدال سياسات الإبادة ببرامج التعقيم وتوفير أمصال السعار، مؤكدة أن خيار القتل لم يعد مطروحًا على الإطلاق.
وأشارت إلى أن الكلاب تمثل جزءًا من الهرم الغذائي، إذ تساهم في الحد من انتشار القوارض والثعابين، وأن تعطيل هذا الدور الطبيعي أحدث آثارًا سلبية غير محسوبة.
وقالت شيرين زكي إن بعض الدول تخصص مساحات مفتوحة خارج العمران لإيواء الحيوانات دون إيذائها، معتبرة أن هذا الحل أكثر أمانًا على المدى الطويل.
التعقيم مكلف
وأوضحت شيرين زكي أن عمليات التعقيم، رغم أهميتها، تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها، فضلًا عن تكلفتها المرتفعة، مشيرة إلى أن إجراء عملية تعقيم لكلب يتطلب تجهيزات طبية، وإقامة الحيوان داخل ملجأ لعدة أيام، مع توفير عمالة مدرّبة، ثم إعادته إلى الشارع، وهو ما يجعل تعميم التجربة أمرًا بالغ الصعوبة.
وأوضحت أن تجميع الحيوانات في أماكن مخصصة خارج الكتل السكنية يسهّل عمليات التعقيم والعلاج، ويقلل من انتشارها العشوائي.
وأشارت شيرين زكي إلى أن التطعيم ضرورة صحية، مشددة في الوقت نفسه على أن ليس كل كلب يعقر إنسانًا يكون مصابًا بالسعار.
وأضافت أن أمصال السعار تكلّف دولة العسكر مبالغ طائلة، وأن تقليل الاحتكاك بين البشر والكلاب من خلال الملاجئ سيسهم في خفض الإصابات والتكاليف العلاجية.
12 مليون كلب
فى المقابل أكد الدكتور الحسيني عوض، مدير الإدارة العامة للرفق بالحيوان والتراخيص بالهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن عدد كلاب الشوارع في مصر يقدر بين 10 و12 مليون كلب، مشددًا على أن هذه الأرقام تشكل قاعدة أساسية لوضع استراتيجيات فعالة للسيطرة على الظاهرة.
وأوضح عوض، في تصريحات صحفية، أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية تعتمد على الرأي العلمي المنهجي، باعتباره السبيل الوحيد للتعامل مع ملف كلاب الشوارع، حيث تم الاستعانة بخبرات دولية، خاصة الدراسات التي أجرتها منظمات متخصصة مثل منظمة الرفق بالحيوان العالمية (WSPA)، والتي نفذت تجارب حصر ميدانية خلال عامي 2008 و2012، وتم تحديث هذه الدراسات بما يتوافق مع الواقع الحالي على الأرض.
وقال إن الهيئة لم تعمل بمعزل عن التجارب الدولية والخبرات العالمية، بل استعانت بمنظمات مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، بالتعاون مع المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE)، حيث تُدار ملفات كلاب الشوارع في مصر ضمن مكتب الفاو، بما يضمن توافق الإجراءات مع المعايير والقوانين الدولية بحسب تصريحاته.
وأشار عوض إلى أن آليات الحصر المعتمدة تتماشى مع نصوص القانون المصري، وتحديدًا المادة 23 من قانون الخدمات البيطرية، التي تضمن التعامل مع كلاب الشوارع وفق معايير علمية دقيقة وتوصيات منظمات دولية، وليس وفق اجتهادات فردية بحسب تعبيره.
