منصف المرزوقي وسيف عبد الفتاح : الإعلام كان مسرحا مبكرا لتربص الثورة المضادة ضد الرئيس مرسي

- ‎فيتقارير

قال الدكتور منصف المرزوقي – Moncef Marzouki   الرئيس التونسي السابق والحقوقي والكاتب المعروف: إن "الإعلام لعب الدور الحاسم في إسقاط مرسي عبر التشويه والتحريض، لكنه يضيف أن الإعلام وحده لا يستطيع إسقاط نظام منتخب، بل كان مجرد أداة ضمن منظومة أوسع".

ويذهب المرزوقي أبعد من ذلك، مؤكداً أن رأس مرسي كان مطلوباً من عدة جهات متشابكة، وأن القوى التي تضافرت لإسقاطه كانت أكبر من أن يواجهها وحده.

 يحدد المرزوقي أربع "فيتوات" رئيسية على مرسي: أولها المؤسسة العسكرية التي لم تقبل نهاية مشروعها الاستبدادي الذي بدأ مع ثورة يوليو، وثانيها الطبقة البرجوازية الطفيلية التي ادعت الليبرالية والديمقراطية لكنها وقفت ضد الإصلاح المعتدل الذي حمله مرسي، وثالثها الإقليم العربي والإسرائيلي الذي خشي عودة مصر لدورها الريادي في الدفاع عن فلسطين، ورابعها القوى الغربية الديمقراطية التي رفضت وجود رئيس إسلامي حتى لو كان ديمقراطياً.

وفي مقدمة كتاب (مرسي والإعلام.. معركة الذاكرة) الذي كتبه الكاتب والصحفي قطب العربي، يقدم الدكتور منصف المرزوقي شهادة فكرية وسياسية عميقة حول تجربة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وتجربة مصر في لحظة فارقة من تاريخها.

يرى المرزوقي أن الكتاب يمثل وثيقة للتاريخ، إذ يوثق لأول مرة اختيار الشعب المصري لرئيسه عبر انتخابات حرة، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ يمتد لآلاف السنين، لكنه يوضح أن هذه التجربة لم تدم سوى عام واحد، لأن ثقل التاريخ الاستبدادي في مصر والمنطقة تحرك سريعاً لإعادة الأمور إلى نسقها المألوف.

يشرح المرزوقي أن المؤسسة العسكرية المصرية، التي تحولت من مشروع تحرري إلى مشروع استبدادي، لم تكن لتسمح بانتهاء امتيازاتها، وأن الطبقة البرجوازية الطفيلية كشفت عن وجهها الرجعي، حين وقفت ضد مرسي رغم أن برنامجه كان يضمن لها الاستقرار ودولة القانون.

أما الإقليم، فقد رفض مرسي لأنه أعلن دعمه لغزة، وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديداً، ورأت فيه بعض الأنظمة الخليجية خطراً على استقرارها.

وفي الغرب، يروي المرزوقي كيف حاول إقناع قادة مثل هولاند وميركل بأن وجود إسلاميين ديمقراطيين يشبه وجود الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، لكنهم رفضوا الفكرة لأسباب أيديولوجية وخوفاً على إسرائيل.

يخلص المرزوقي إلى أن مرسي لم يكن ليستطيع مواجهة هذه الجبهة الداخلية والخارجية الشرسة، وأنه حتى لو كسب معركة الإعلام، فإن القوى المتحالفة ضده كانت ستسقطه.

ويقارن مصيره بمصير قادة مثل لوممبا وسانكارا وأليندي الذين اغتيلوا بسبب مواقفهم التحررية.

لكنه يشدد على أن مرسي لم يُقدَّم في الكتاب كضحية، بل كرجل شامخ مثير للإعجاب، مات مناضلاً وشهيداً.

ويصف ما تعرض له من معاملة مهينة بأنها وصمة عار ستبقى في جبين من نفذوا الانقلاب.

خداع وتزييف قادته الدولة العميقة

ومن جانبه طرح د.سيف عبدالفتاح الأكاديمي بالعلوم السياسية Saif Abdelfattah في مقدمة كتاب "مرسي والإعلام"؛ رؤية أكاديمية عميقة تربط بين التجربة المصرية في عام حكم الرئيس محمد مرسي وبين طبيعة الإعلام كأداة لصناعة الوعي أو لتزييفه.

يصف عبد الفتاح شهادة قطب العربي بأنها وثيقة تنضح بالمعاناة والأسى، لكنها في الوقت نفسه سهم في معركة الذاكرة، إذ تكشف عن دور الإعلام في الثورة المصرية وما تلاها، وتؤكد أن هذا الدور لم يكن محايداً بل كان جزءاً من الصراع السياسي والاجتماعي.

يرى عبد الفتاح أن قيمة الكتاب تكمن في أن مؤلفه كان قريباً من الحدث، بحكم عمله في الإعلام وارتباطه المباشر بملف الإعلام خلال فترة حكم مرسي، مما يمنحه مصداقية عالية.

 ويشير إلى أن الكتاب يوثق تجربة أول حكم مدني لمصر بعد عقود من الحكم العسكري، وهو توثيق ضروري، حتى لا يُترك للأجيال القادمة أن تقرأ تلك المرحلة فقط من خلال كتابات الخصوم، ويبرز عبد الفتاح أن الإعلام في تلك الفترة كان ساحة مزدوجة: من جهة شهد انتعاشاً وتنوعاً بعد ثورة يناير، ومن جهة أخرى كان مسرحاً لتربص مبكر وقوي ضد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، عبر حملات التشويه والشائعات التي استهدفت شرعيته ووطنية مشروعه.

يستحضر عبد الفتاح البعد النظري في تحليله، فيربط بين الإعلام كرسالة اتصالية مركبة وبين دوره في صناعة الوعي العام. ويستعين بالنموذج القرآني لقصة فرعون والسحرة، ليبين كيف يمكن للإعلام أن يكون أداة في يد المستبد لتزييف الحقائق وخداع الجماهير، أو أن يتحول إلى رسالة صادقة تنحاز للحق والحقيقة.

بهذا الربط، يوضح أن الإعلام في زمن مرسي كان بين رسالتين متقابلتين: رسالة الخداع والتزييف التي قادتها الدولة العميقة وأباطرة الإعلام الخاص، ورسالة الحرية والمصداقية التي حاول مرسي إرساءها رغم التحديات.

يؤكد عبد الفتاح أن هذه الشهادة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي جزء من معركة الذاكرة التي يخوضها الشعب المصري ضد محاولات الطمس والتزييف التي يمارسها النظام الحالي.

ويعتبر أن الكتاب يحفّز آخرين على تقديم شهاداتهم، ليكتمل بناء سردية صادقة عن الثورة المصرية وتجربة مرسي، بعيداً عن الرواية الرسمية التي تسعى لطمس الحقائق.

وفي ختام مقدمته، يشدد على أن الإعلام في تلك المرحلة كان امتحاناً فاصلاً بين الانحياز للحق أو التماهي مع الاستبداد، وأن هذا الكتاب يمثل وثيقة مهمة لحفظ الذاكرة وتذكير الأجيال القادمة بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السياسة.
ويظهر أن عبد الفتاح قدّم مقدمة ذات طابع أكاديمي وفكري، تربط بين التجربة العملية التي يوثقها قطب العربي وبين النظرية السياسية والإعلامية، ليؤكد أن ما جرى لم يكن مجرد حدث عابر بل درس تاريخي في علاقة الإعلام بالسلطة والحرية.