يبدو أن الحرب النفسية في عهد السيسي ليست أداة دفاعية، بل وسيلة قمع داخلي لإدامة السلطة عبر السيطرة على الوعي الشعبي ولهذه الحرب سمات تميزها بنمط آلي ومتكرر يكشف أن الهدف ليس النقاش بل تشتيت الحوار.
كما يركز على الهجوم الشخصي أو الجماعي بدلًا من مناقشة الفكرة أو القضية، يتم استدعاء رموز أو كيانات (أردوغان، الإخوان، الخرفان) كأعداء جاهزين.
ويغيب عن اللجان التنوع في الطرح أو مخالفة التوقيت بنفس الرسائل التي تتكرر بصيغ مختلفة عبر حسابات متعددة، ما يعكس عملًا منظمًا لا رأيًا فرديًا.
ويهدف المشاركون إلى ربط أي نقاش بالعداء للأمة أو التشكيك في الشعوب، لتقويض الثقة في المعارضة أو في الوعي الشعبي.
4 محاور للعمل
وفي ضوء النقاط السالفة، يمكن قراءة نشاط هذه اللجان على 4 محاور ويتعلق الأول منها بـ(معالم الحملة) من حيث التركيز على قضايا محددة غالبًا ما تدور التغريدات حول الدفاع عن النظام، مهاجمة المعارضة، أو تبرير قرارات اقتصادية مثيرة للجدل مثل رفع الأسعار أو بيع الأصول.
ويجري استخدام لغة موحدة يظهر في التغريدات تكرار نفس المصطلحات والشعارات والهاشتاجات ومنها، "الجمهورية الجديدة"، "حماية الدولة"، "محاربة الإرهاب" و"تحيا مصر" مما يعكس وجود توجيه مركزي.
وتناول الأكاديمي د. عصام عبد الشافي هذه السمة بالتوضيح عبر @essamashafy وأنه "إذا كنت تتحدث عن مصر ودخل عليك من يسب أردوغان فاعلم أنه لجان أو تحدثت عن الإمارات ودخل عليك من يسب الإخوان فاعلم أنه لجان، وإذا كنت تتحدث عن الشعوب وإرادتها ودخل عليك من يسب الشعوب وكرامتها فاعلم أنه لجان، وإذا كنت تتحدث عن مصر ودخل عليك من يسب أردوغان فاعلم أنه لجان، وإذا كنت تتحدث عن وحدة الأمة وعزتها ودخل عليك من يسب الأمة وتاريخها فاعلم أنه لجان".
وأكد أنه "خلف كل اللجان صهاينة يخططون ويمولون ويفككون ويدمرون".
وفي غالب الأحيان ترتبط الحملات الأمنية بتوقيت متزامن وتُطلق عادةً مع أحداث سياسية أو اقتصادية حساسة مثل؛ زيادات أسعار البنزين، أو تصريحات دولية، أو ذكرى يناير، بهدف السيطرة على السردية العامة.
والمحور الثاني لعمل اللجان فيما يبدو يرتبط بـ(الأطراف المشاركة) سواء كانت حسابات رسمية مثل صفحات إعلاميي الأذرع أو شبه رسمية مرتبطة بجهات إعلامية حكومية أم حسابات وهمية أو مجهولة الهوية تعمل كـ "جيش إلكتروني" لإعادة نشر المحتوى ولهم قائد مثل حساب (المايسترو) على إكس أو حسابات الأجهزة على فيسبوك.
ويرتبط المحور الثالث بتضخيم إعلاميين مقربين من السلطة الرسائل عبر منصاتهم، لتبدو وكأنها رأي عام واسع وإعادة التغريد الجماعي في وقت واحد لرفع الوسوم إلى قائمة الأكثر تداولًا مع استخدام وسوم موحدة مرتبطة بقرارات أو شخصيات رسمية وتكرار الرسائل بصيغ مختلفة لإعطاء انطباع بتعدد الأصوات رغم أن المصدر واحد مع الاستعانة بحسابات خارجية مرتبطة بصفحات إخبارية أو مؤثرين مدعومين.
التلاعب بالمعلومات بشكل ممنهج
وتعد (منهجية إيجاد سردية بديلة) المحور الرابع الذي يُركز عليه اللجان بتضخيم الادعاءات مثل تصوير أي قرار اقتصادي كإنجاز تاريخي، أو أي معارضة كتهديد للأمن القومي إضافة لـ(إخفاء الحقائق) بتجاهل الأرقام السلبية (التضخم، الدين) والتركيز على مؤشرات جزئية أو غير دقيقة.
كما يعد (التشبيك) جزءا من شيطنة الخصوم وذلك بربط المعارضة دائمًا بالإخوان أو الإرهاب لتقليل مصداقيتها، وتحويل النقاش من جوهر الأزمة (الاقتصاد، والحقوق) إلى قضايا جانبية (الوطنية، المؤامرات).
الحرب النفسية
منصة ميدان على إكس (@MaydanEG25) أوضحت أن نظام عبد الفتاح السيسي حول أدوات الحرب النفسية من كونها وسيلة عسكرية تُستخدم ضد الأعداء إلى أداة ممنهجة لإخضاع الشعب المصري نفسه.
وأوضح أن الفكرة الأساسية أن النظام يوظف أجهزة الدولة والإعلام واللجان الإلكترونية بميزانيات ضخمة للسيطرة على العقل الجمعي، عبر التضليل المستمر، إشاعة الخوف واليأس، وإغراق المجتمع في أزمات مفتعلة تُشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية.
وأشار إلى أن أحد أبرز مظاهر هذه الحرب النفسية هو نشاط اللجان الإلكترونية التي تبث الأكاذيب وتفتعل وجود أعداء داخليين، بما يعزز الانقسام ويضعف الثقة المجتمعية. كما يظهر ذلك في صناعة الترندات الإعلامية، عبر أخبار الفنانين أو البلطجية وأصحاب الثراء المفاجئ، لتقديمهم كقدوة زائفة، في حين يتم تغييب النقاش حول القضايا الوطنية الجوهرية. الهدف هو خلق بيئة مشوشة تُبعد الناس عن التفكير النقدي وتُبقيهم في حالة انشغال دائم.
ويشير أيضًا إلى أن هذه الماكينة الإعلامية والنفسية تُدار من أموال الشعب نفسه، لكنها تُستخدم ضده لا لصالحه، وهو ما يُعد خيانة وطنية كبرى. فبدل أن تُوجه أدوات الحرب النفسية لمواجهة الأعداء الخارجيين، تُستخدم لإضعاف الإرادة الشعبية وتحييد العقل الجمعي، بما يضمن بقاء النظام في السلطة أطول فترة ممكنة.
ويخلص (ميدان) إلى أن الغاية هي تفكك الوعي الوطني وتدمير الحاضر عبر تلاعب بالعقول يفوق في خطورته آثار الحروب التقليدية. ويخلص النص إلى أن من يعمل في هذه المنظومات يشارك في مشروع يهدف إلى إخضاع الشعب، في وقت فقد فيه النظام القدرة على حماية ملفات السيادة في مواجهة التحديات الخارجية.
https://twitter.com/MaydanEG25/status/1966570889899581564

