تتوسع سلطة المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي عاماً بعد عام في مشروع عسكرة المجال العام، حتى باتت الدورات العسكرية شرطاً إلزامياً للالتحاق بوظائف مدنية حساسة، من القضاء والدبلوماسية والتعليم، وصولاً إلى أئمة وزارة الأوقاف. خطوة أثارت موجة غضب واسعة، خصوصاً بعد حديث السيسي الأخير مع دعاة حاصلين على درجات الدكتوراه داخل الأكاديمية العسكرية.
خطاب صادم وإهانة لعلماء الدين
خلال لقائه بالدعاة والطلاب المتقدمين للكلية العسكرية، حمّل السيسي تاريخ المسلمين “1400 سنة من التخلف الديني” على حد قوله، مطالباً الأئمة بصناعة “تيار مستنير” يتجاوز ما يصفه بـ“الانحطاط الديني”.
وما أثار الغضب هو تقليل السيسي من قيمة الدكتوراه الشرعية، حين قال إن ساعات الدورة العسكرية تتجاوز ساعات دراسة الدكتوراه نفسها، في رسالة فسّرها كثيرون بأنها محاولة لإعادة تشكيل الوعي الديني خارج مؤسسات العلم الشرعي التقليدية.
صور الأئمة وهم يجلسون وقوفاً أمام السيسي في وضعية “انتباه” العسكرية أثارت استياءً واسعاً، واعتبرها معلقون “إهانة لمكانة العلماء”، بينما تساءل آخرون:
لماذا تُفرض هذه الدورات على الدعاة المسلمين فقط؟ ولماذا يُستثنى القساوسة من التدريبات ذاتها؟
ويرى مراقبون أن النظام يعتبر الخطاب الإسلامي وحده “مصدراً محتملاً للمعارضة”، بينما لا يتعامل بالمنطق نفسه مع المؤسسات الدينية الأخرى.
عسكرة الوظائف.. من القضاء إلى التعليم
التوسع لم يقف عند الدعاة. فالأكاديمية العسكرية أصبحت بوابة عبور إجبارية لوظائف مدنية سيادية:
القضاة الجدد دفعوا رسوماً وصلت إلى 112 ألف جنيه للدورة العسكرية قبل التعيين.
الملحقون الدبلوماسيون خضعوا لأول مرة لدورات عسكرية رغم وجود “المعهد الدبلوماسي” المتخصص.
مديرو المدارس أُجبروا العام الماضي على اجتياز برنامج عسكري قبل تسلّم مناصبهم.
المعلمين، موظفو النقل، الطب الشرعي، موظفو الخارجية… جميعهم أصبحوا ضمن قوائم التدريب الإلزامي.
ويصف حقوقيون هذا المسار بأنه “تحويل للسلطة المدنية إلى امتداد للمؤسسة العسكرية”، وإنشاء جيل من الموظفين الموالين للعسكر قبل الدولة.
تدريب عسكري للطالبات ورسوم إضافية
المفاجأة الأكبر كانت تمديد برنامج “التربية العسكرية” ليشمل طالبات الجامعات، مع فرض رسوم مالية لأول مرة (155 جنيهاً)، رغم أن القانون يعود إلى ما قبل حرب أكتوبر.
النتيجة:
4 ملايين طالب وطالبة يدفعون رسوماً إلزامية.
تدريب عسكري أسبوعين يشمل محاضرات عن “حروب الجيل الرابع، الإشاعات، الأمن السيبراني، ودور الجيش في التنمية”.
ويرى متخصصون أن هذا يخلق “جيلًا مدرساً على مفاهيم الأمن القومي وفق رواية السلطة”.
المكاسب المالية.. جانب خفيّ من القصة
يتوسع البرنامج بوتيرة ضخمة، مع رسوم وصلت لأكثر من 120 ألف جنيه لبعض المتدربين.
ويرى مراقبون أن الأكاديمية العسكرية أصبحت “مؤسسة مالية” تدر ملايين الجنيهات شهرياً من خلال الدورات المفروضة، في ظل غياب الرقابة البرلمانية الحقيقية.
من عسكرة المؤسسات إلى عسكرة العقول
يقول السياسي خالد الشريف إن النظام يسعى إلى “عسكرة العقل الجمعي”، وإعادة إنتاج خطاب ديني منضبط أمنياً، عبر إخضاع الدعاة والأكاديميين والموظفين المدنيين لبرامج عسكرية ترسّخ الولاء للنظام.
ويرى محللون أن تدريب العلماء داخل منشأة عسكرية يمثل تدهوراً لمكانة الأزهر والمؤسسات الدينية العريقة، التي كانت تاريخياً صاحبة الدور في إعداد الجنود معنوياً وروحياً قبل الحروب، لا العكس.
لماذا يفعل السيسي ذلك؟
يرجّح محللون سياسيون ثلاثة دوافع رئيسية:
هندسة ولاء الموظفين للدولة الأمنية
النظام يريد ضمان ولاء كل من يشغل موقعاً مؤثراً في القضاء والتعليم والأوقاف والخارجية، من خلال برنامج عسكري مباشر.
إعادة تشكيل الخطاب الديني
يرى النظام أن “الإسلام المجتمعي” يشكل مصدر قوة خارج سيطرته، ولذلك يسعى إلى إنتاج “إسلام الدولة” عبر برامج تدريبية تتجاوز الأزهر.
الخوف من المعارضة والثورات
التدريب العسكري للدعاة والطلاب والمدرسين جزء من خطة “إغلاق المجال العام” ومنع أي روايات بديلة لخطاب الدولة.
هندسة الهزيمة النفسية
يرى معارضون أن ما يحدث هو محاولة لـ”إفراغ الدين من محتواه المقاوم”، خاصة بعد تنامي روح المقاومة في المنطقة عقب أحداث كبرى مثل “طوفان الأقصى”.
ويؤكدون أن عسكرة الوعي الديني تهدف إلى إنتاج جيل منزوع الروح، يرى الدولة فوق الدين، والطاعة فوق القيم.
ما يفعله النظام اليوم ليس مجرد دورات تدريبية، بل مشروع شامل لإعادة صياغة المجتمع، يبدأ من الجامعات ولا ينتهي عند دعاة يحملون أعلى درجات العلم الشرعي.
ووفق محللين، فإن عسكرة الدين والدولة معاً ليست سوى محاولة لضمان السيطرة المطلقة، ولو على حساب مؤسسات عمرها ألف عام، وعلى حساب مدنية الدولة نفسها.
