الصندوق السياديّ “الثقب الأسود” لمصر … يلتهم مقدرات الدولة ويُسلّمها للأجانب عبر العسكر

- ‎فيتقارير

 

 أسست الدول التي لديها فوائض مالية صناديق سيادية لاستثمار أموالها، وتحقيق عوائد مجزية من استثماراتها مثل صندوق النرويج والصندوق السيادي للسعودية والكويت والإمارات، هذه الصناديق تعود لدول غنية لديها فوائض ضخمة، السيسي بين عشية وضحها قرر تأسيس صندوق سيادي لدولة الديون ترهق ميزانيتها، يستهدف الصندوق السيادي المصري الاستحواذ على مقدرات الدولة من شركات ومصانع وأراضي، لكي يسهل تسيلها وبيعها للوفاء بحقوق الدائنين فيتحول إلى ثقب أسود يلتهم قدرات الوطن لإصلاح أخطاء حكومة فاشلة.

 

هل يتحول الدواء من خدمة استراتيجية تدعمها الدولة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق الاستثمارية؟

وفي حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي، فلماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشِر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يُمهِّد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة، واكتفائها بدور الميسّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟

أعلنت سلطات الانقلاب عن إلغاء وزارة قطاع الأعمال في التشكيل الوزاري الأخير، بعد عشر سنوات من بداية عملها في عام 2016 , الأمر أثار جدلاً واسعاً وتساؤلات عن مصير الشركات المملوكة للدولة التي تديرها الوزارة146 شركة، تعمل في قطاعات أبرزها: السياحة، والفندقة، والسينما، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد، والنقل، وتقول الحكومة: إن "الوزارة جاءت كمرحلة انتقالية منذ تأسيسها، إلى حين دراسة تعظيم الاستفادة من أصول تلك الشركات التي تصل قيمتها إلى حوالي تريليون جنيه مصري".

 

كانت تدير وزارة قطاع الاعمال مجموعة من الشركات في قطاعات مهمة، منها 6 شركات قابضة "أي الشركة الأم التي تملك وتدير مجموعة من الشركات الأخرى"، من بينها الشركة القابضة للأدوية والمستلزمات الطبية، التي تتبعها 9 شركات تعمل في قطاع الدواء والمستلزمات الطبية والكيماويات وواحدة في قطاع السيارات, أظهرت المؤشرات الصادرة عن الوزارة في يناير من العام الجاري أن شركاتها حققت في العام المالي 2024– 2025 إيرادات بلغت حوالي 126 مليار جنيه، بنمو يقارب 20 في المئة مقارنة بالعام المالي السابق له، وصافي أرباح بلغ حوالي 24مليار جنيه، فيما حققت الشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، إيرادات مجمَّعة بلغت 11.6 مليار جنيه في 2024-2025 بنسبة نمو 79 في المئة مقارنة بالعام السابق، إلا أن السلطات تواجه تساؤلات عن غياب آليات الإفصاح، في ظل ندرة البيانات الرسمية المتاحة, بدأت الحكومة في خططها لتحويل الدفة إلى صندوق مصر السيادي، ليصبح هو من يدير تلك الأصول الحكومة.

وما يرجح نية الحكومة في نقل الشركات إلى الصندوق، أنه وبحسب تقارير صحفية، فإن شركات أدوية مثل الإسكندرية والعربية وسِيد والقاهرة، سيتم نقلها ضمن 40 شركة إلى الصندوق السيادي، يكون للحكومة 50 في المئة من أرباحها، فيما يستثمر الصندوق باقي النسبة بمعرفته، وتقوم اللجنة المشرفة على شركات قطاع الأعمال العام بحلول نهاية العام المالي الجاري، بطرح خطط نقل الشركات الرابحة بين البورصة والصندوق السيادي، ونقل تبعية الشركات الخاسرة أو منخفضة الأرباح إلى الوزارات المعنية، ودمج شركات أخرى.

 

إعادة ترتيب الاوراق

ويثير هذا المشهد مفارقة استراتيجية في حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي: لماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يمهد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة واكتفائها بدور الميسِّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟لم يعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال مجرد إعادة ترتيب للأوراق الإدارية، بل استمراراً لحقبة الخصخصة عبر بوابة الصندوق السيادي، بوضع أصول تتجاوز قيمتها تريليون جنيه في مسار استثماري، يخضع لمعايير الربحية وطرح الشركات الوطنية للمستثمرين الأجانب.

وتكمن الخطورة بحسب تقرير مركز حلول للسياسات البديلة في وجود فجوة في الشفافية تتعلق بآليات نقل ملكية الأصول، إذ يتم تحويل الأصول العامة إلى ملكية الصندوق بقرارات من رئاسة الجمهورية، تلغي صفتها كمنفعة عامة، ما يثير الجدل في الأوساط المهتمة بالحقوق الاقتصادية، ما حدث من تحصين، من خلال قصر حق الطعن في هذه القرارات على المالك الأصلي أو الصندوق فقط، مع إلزام المحاكم برفض أية دعاوى من أطراف أخرى بما فيها المواطنون الذين يمتلكون تلك الأصول في الحقيقة , وحظر الطعن في العقود إلا في حال وجود حكم جنائي يثبت وقوع جريمة، وذلك بحسب المادة 6 مكرر من قانون إنشاء صندوق مصر رقم 177 لسنة 2018 وتعديلاته التي أقرها البرلمان في 2020 .

 

 

وبموجب تلك المادة، قد تنتقل شركات الأدوية الحكومية

التي من المرجح انتقالها إلى ملكية الصندوق من الفضاء العام والملكية العامة إلى حيز قانوني محصَّن لا يمكن الطعن فيه، ما يعني تجريد المواطنين، أو حتى نواب البرلمان أو الجهات الحقوقية المهتمة، من حقهم الدستوري في اللجوء إلى القضاء الإداري للاعتراض على صفقات قد تشوبها شبهات متعلقة بحقوق الدولة والمواطنين، وهكذا يتصدر مشهد يتم فيه سحب صناعة الدواء من تحت قبة البرلمان وعيون الأجهزة الرقابية، لتوضع في الغرف المغلقة والخلفية للصندوق.

 

هذا الانتقال يحول شركات تاريخية مثل" سيد للأدوية" التابعة لقطاع الأعمال التي تأسست في العام 1947 "وهي تُعتبر الشركة المسؤولة عن توفير احتياجات وزارة الصحة في مجال تنظيم الأسرة وأدوية معالجة الجفاف والإسهال عند الأطفال، أو شرك النيل للأدوية التي تأسست في العام 1962 (تمتلك الشركة عدداً من الخطوط الإنتاجية مثل خط إنتاج وتعبئة المحاليل التعويضية، ومصنع إنتاج أدوية البايوتكنولوجي، وخط إنتاج الإنسولين)، من مؤسسات دوائية ذات دور استراتيجي وشعبي، إلى أصول مالية في محفظة استثمارية مغلقة لا يفصح المسؤولون فيها عن مزيد من البيانات حولها, خاصة وأن الصندوق يملك صلاحية إبرام صفقات استحواذ أو شراكات إقليمية بالأمر المباشر، بعيداً عن منظومة المناقصات والمزايدات العلنية، مستنداً إلى تفويض يمنح رئيس الجمهورية حق نقل الملكية من دون التقيد بالإجراءات المقررة، ما ينزع عن قلاع الدواء صفة المال العام بمفهومه التقليدي، ويحولها إلى ما يشبه المال الخاص للدولة، إذ لا تلتزم الإدارة بنشر تفاصيل التعاقدات الفنية أو التقييمات المالية, وهذا يحدث في الوقت الذي يتصاعد فيه التساؤل عن كيف يضمن المواطن عدم التفريط في أصول مهمة، بقيمة تقل عن سعرها العادل، في ظل غياب الرقابة اللاحقة للقضاء ومصادرة حق المجتمع في المساءلة الدستورية؟

تفكيك القلاع الصناعية

ولا يعد هذا التخوف الوحيد، بل يُضاف إلى ذلك تخوّفٌ بخصوص تفكيك القلاع الدوائية التي من المتوقع طرحها للاستثمار. ففي مارس من العام 2020، نشرت الجريدة الرسمية في عددها (11 مكرر. أ)، قرار مجلس الوزراء رقم 633لسنة 2020، بشأن تنظيم التصرف في الأصول العقارية المملوكة لشركات القطاع العام, ويقضي القرار بأحقية رئيس الحكومة في إصدار قرارات التصرف، بعد تقارير من 3 مقيِّمين معتمَدين من البنك المركزي المصري, فتح هذا القرار الباب على مصراعيه أمام إمكانية تفكيك ممتلكات شركات القطاع العام، بما يشملها من قلاع الدواء التاريخية، للاستثمار في منشآتها وأصولها,ولا يتوقف الطموح السيادي عند حدود إدارة الإنتاج، إذ يمتد إلى ما تملكه شركات الأدوية التابعة للدولة من مساحات شاسعة ومميزة من الأراضي والعقارات والمصانع المغلقة في قلب العاصمة القاهرة والمحافظات المختلفة.

وهذا يثير مخاوفَ من إمكانية فصل الأصول العقارية غير المستغَلة عن النشاط الصناعي الخاص بتلك الشركات وبموجب صلاحيات الصندوق السيادي، يمكن تحويل تلك الأراضي إلى مشاريع سياحية أو تجارية كبرى، بدعوى تعظيم العائد، ما يُقلِّص المساحات المتاحة للتوسعات الصناعية المستقبلية لهذه الشركات بمصانعها المتعددة، وهو ما حدث بالفعل في حقبة الوزير الأخير لوزارة قطاع الأعمال، الذي تولى مهامه في العام 2024، إذ تراجع في عهده عدد شركات قطاع الأعمال من 317 شركة، كانت تمثل ما يقرب من  %44.7 من إجمالي الشركات المملوكة للدولة في عام توليه الوزارة، إلى 146 شركة فقط في العام 2025، بنسبة تراجع بلغت 26 في المئة. سبق هذا إعلان الشركة القابضة للأدوية عن طرح 9500 متر مربع من أراضٍ غير مستغَلة مملوكة لشركتي المصرية لتجارة الأدوية، وشركة سيد للأدوية، للبيع في مزاد علني.

 

لم تكن شركات الدواء التابعة لقطاع الأعمال العام، مجرد شركات اقتصادية، بل لعبت دوراً اجتماعياً تاريخياً في توفير أصناف دوائية لا تستطيع الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل الحصول عليها، لتصبح الملاذ الأخير لإنتاج أصناف حيوية محلية الصنع، تخدم قطاعات عريضة من المواطنين "مثل أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة كأمراض القلب أو السكر التي تُباع بأسعار زهيدة مقابل نظيرتها المستورَدة"

وعلى الرغم من أن خطة الأطروحات للشركات الحكومية المتخصصة في قطاع الدواء لم تُعلن بعد، إلا أن المواطنين يعانون بالفعل من ارتفاع أسعار الدواء نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن بحوالي 50 في المئة مطلع العام الجاري، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، بحسب تصريحات رسمية ، ما يُنذر بارتفاع أسعار الأدوية بنسبة قد تصل إلى 30 في المئة خلال الثلاثة الأشهر المقبلة, في حين يعاني المواطِن من ارتفاع مستمر لأسعار الدواء، إلا أن السلطة ترى أن الدواء في مصر هو الأرخص عالمياً في أسعاره، ما يظهر نيتها في تحريك أسعار الدواء بشكل مستمر، مثلما حدث في العام 2025، إذ تحركت الأسعار نحو زيادة بنسبة 42 في المئة عن العام السابق له.

إعادة هندسة قائمة المنتجات

ولا يكمن الخوف فقط في بيع الأصول، بل في إعادة هندسة قائمة المنتَجات التي تنتجها شركات الأدوية المصرية، فالمستثمر الشريك للصندوق السيادي لن يقبل بالاستمرار في إنتاج أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة التي تُباع بأسعار تبدو ملائمة للفقراء ومحدودي الدخل، والتي غالباً ما يتراجع القطاع الخاص عن إنتاجها لضآلة هامش ربحها، ما لم يتم رفع أسعارها أو استبدالها بأصناف أكثر ربحية. التساؤل الأكثر إلحاحاً هو عن كيف ستدار اللعبة؟ فبينما حققت تلك الشركات نمواً بنسبة 79 في المئة تحت مظلة الدولة، فما سقف الأرباح الذي يطمح إليها الصندوق السيادي؟ وهل سيكون الفارق بين الربح الحالي والربح المستهدَف مستقطعاً من جيب المريض؟ ما يُظهِر أن استحواذ الصندوق السيادي المرتقب على هذه الشركات يعني بالضرورة تهميش البعد الاجتماعي، لتصبح الصحة وقطاع الدواء في مصر خاضعين لمعادلات السوق المرتبطة بالعرض والطلب، في وقت لم تعد فيه مظلة التأمين الصحي قادرة على تغطية الفجوة التي سيخلِّفها انسحاب الدولة من دور المنتِج المباشر.