بقلم شعراوى محمد
منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من نيسان/ أبريل 2023 لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل تحول إلى اختبار وجودي لفكرة الدولة نفسها؛ هل تنتصر المؤسسة النظامية ذات الجذور التاريخية أم تفرض التشكيلات الموازية واقعا جديدا بقوة السلاح؟ وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل باتت قوات الدعم السريع التي نشأت خارج النسق العسكري التقليدي تبحث اليوم عن ملاذ داخل المؤسسة التي خاصمتها؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الجذور، فقد تشكلت النواة الأولى لقوات الدعم السريع في سياق حرب دارفور التي اندلعت عام 2003، حين اعتمد نظام الرئيس المعزول عمر البشير على تشكيلات محلية مسلحة تطورت لاحقا من الجنجويد إلى حرس الحدود قبل أن يعاد هيكلتها رسميا في عام 2013 تحت مسمى الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). ومنذ ذلك التاريخ ظلت هذه القوة تتحرك في منطقة رمادية بين الدولة واللا دولة، تتبع شكليا للمؤسسة الرسمية لكنها تحتفظ باستقلال مالي وعسكري فعلي.
بلغ هذا التناقض ذروته عقب سقوط نظام البشير في نيسان/ أبريل 2019، حين برزت قوات الدعم السريع لاعبا رئيسا في معادلة السلطة الانتقالية؛ لا سيما بعد أحداث الثالث من حزيران/ يونيو 2019 التي شكلت نقطة تحول مفصلية في علاقة هذه القوات بالشارع السوداني والمجتمع الدولي، ومنذ ذلك الحين أخذت صورة الدعم السريع في التآكل رغم محاولات إعادة تقديمها كقوة ضامنة للاستقرار. غير أن الانعطافة الحاسمة جاءت مع تفجر الخلاف بين الجيش والدعم السريع حول عملية "إصلاح القطاع الأمني"
يبدو الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنه يدير معركته على مستويين متكاملين: ميدانيا عبر استعادة المواقع الاستراتيجية، وسياسيا عبر تفكيك بنية خصمه من الداخل
ودمج القوات والتي كانت تعرف بالاتفاق الإطاري، وهي الخلافات التي تفاقمت أواخر عام 2022 ومطلع 2023، وصولا إلى الانفجار الكبير في نيسان/ أبريل 2023. ومنذ ذلك التاريخ دخل السودان في حرب مفتوحة سرعان ما كشفت هشاشة البنية السياسية والعسكرية للدعم السريع رغم قدراتها القتالية وانتشارها الجغرافي.
في هذا السياق، تكتسب ظاهرة انشقاق القادة الميدانيين من الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر، فهي تعكس في جوهرها أزمة مشروع. إذ لم تنجح هذه القوات رغم محاولاتها في التحول إلى كيان سياسي ذي شرعية وطنية، بل على العكس، ارتبط اسمها خاصة خلال الحرب الحالية بملفات ثقيلة من الانتهاكات في الخرطوم ودارفور والجزيرة وسنار وكردفان، ما جعلها في مواجهة عزلة داخلية وضغوط خارجية متصاعدة، بما في ذلك تقارير صادرة عن منظمات دولية منذ عام 2023 وحتى 2025 تتحدث عن انتهاكات جسيمة لا سيما تلك التي حدثت مؤخرا في الفاشر أعقاب دخولها المدينة.
في المقابل، يبدو الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنه يدير معركته على مستويين متكاملين: ميدانيا عبر استعادة المواقع الاستراتيجية، وسياسيا عبر تفكيك بنية خصمه من الداخل. وفي هذا الإطار لا يمكن قراءة استقبال البرهان لبعض القادة المنشقين أمثال الجنرال النور القبة وكما حدث سابقا مع قائد درع السودان أبو عاقلة كيكل؛ بمعزل عن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة استيعاب هذه العناصر ضمن بنية الدولة أو على الأقل تحييدها. غير أن هذا المسار لا يستند فقط إلى حسابات آنية، بل إلى معرفة عميقة بطبيعة النسيج الاجتماعي والعسكري في دارفور.
فالبرهان الذي خدم في الإقليم منذ ثمانينيات القرن الماضي وشارك في محطات مفصلية مثل تمرد داؤود بولاد في التسعينيات ثم حرب دارفور بعد 2003؛ راكم شبكة علاقات واسعة مع القيادات الميدانية والإدارات الأهلية وزعماء عشائر، بما في ذلك تلك التي شكلت لاحقا العمود الفقري لقوات الدعم السريع مثل زعيم المحاميد موسى هلال وغيره. هذه الخلفية تمنحه قدرة استثنائية على اختراق بنية الولاءات داخل هذه القوات.
أما على مستوى القيادة العليا للدعم السريع فإن المؤشرات توحي بإدراك متزايد لمحدودية الخيارات. ففكرة المشروع البديل للدولة التي حاولت هذه القوات الترويج لها عبر تحالفات سياسية وإعلانات موازية كحكومة تحالف السودان التأسيسي بقيادة حميدتي؛ لم تنجح في اكتساب شرعية حقيقية، كما أن الرهان على خطاب "الهامش مقابل المركز" تراجع تأثيره في ظل تداعيات الواقع الإنساني وتآكل الحاضنة الاجتماعية.
المؤشرات الراهنة توحي بأن هذه القوات التي نشأت في هامش الدولة تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في مواجهة مفتوحة تستنزف ما تبقى من قدراتها، أو الانخراط طوعا أو كرها في مسار يعيدها إلى داخل بنية الدولة التي خرجت منها
في هذا الإطار يبرز احتمال ولو نظريا في الوقت الراهن أن يتحول خيار الاندماج أو التسوية الفردية إلى مخرج لبعض قيادات الدعم السريع، بما في ذلك الصف الأول. وهو احتمال تعززه سوابق تاريخية سواء في تجربة حرس الحدود عام 2007، أو في عمليات إعادة الدمج التي شهدها السودان بعد اتفاقيات السلام المختلفة. غير أن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات سياسية وعسكرية، فالحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش التي خاضت صراعات طويلة في دارفور تنظر بعين الريبة إلى إعادة دمج عناصر من الدعم السريع داخل الجيش، معتبرة أن ذلك قد يخل بتوازنات ما بعد اتفاق جوبا للسلام لعام 2020. ورغم أن هذه الأصوات لم تطفُ للسطح بالشكل الصارخ لكنها هواجس تلازم تلك القوات، كما أن أي عملية دمج غير مدروسة قد تعيد إنتاج الأزمة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
إقليميا ودوليا، تتقاطع هذه التحولات مع مساعٍ مستمرة لوقف الحرب من بينها مفاوضات جدة التي انطلقت في أيار/ مايو 2023، وتكررت جولاتها دون تحقيق اختراق حاسم. كما برزت أدوار للاتحاد الأفريقي ومنظمة "الإيغاد" في ظل قلق متزايد من تداعيات الحرب على استقرار الإقليم بأسره.
لم يعد السؤال ما إذا كانت قوات الدعم السريع قادرة على الانتصار، بل ما إذا كانت قادرة على البقاء ككيان مستقل. فالمؤشرات الراهنة توحي بأن هذه القوات التي نشأت في هامش الدولة تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في مواجهة مفتوحة تستنزف ما تبقى من قدراتها، أو الانخراط طوعا أو كرها في مسار يعيدها إلى داخل بنية الدولة التي خرجت منها.
وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل السودان؛ إما دولة موحدة تحتكر العنف المشروع أو ساحة مفتوحة لتعدد الجيوش وتنازع الشرعيات. وهذه ثلاث سنوات مضت؛ إلى أين تتجه قوات الدعم السريع في الاختيار؟