تصاعد التوتر القبلي في سيناء.. انفجار مؤجَّل تكشفه ترتيبات ما بعد شماعة  «مكافحة الإرهاب»

- ‎فيتقارير

شهدت محافظة شمال سيناء الأيام الماضية حالة توتر قبلي غير مسبوقة منذ سنوات، على خلفية خلاف دموي بين قبيلتي الترابين والتياها، في مشهد يكشف هشاشة الترتيبات الأمنية التي فرضتها الدولة منذ انقلاب السيسي، واعتمادها الواسع على قيادات قبلية مسلحة تحولت لاحقاً إلى مراكز نفوذ خارجة عن أي رقابة مؤسسية.

وبحسب مصادر قبلية وشهود عيان، فإن الخلاف اندلع إثر مقتل أحد أبناء قبيلة الترابين في مناطق جنوبي رفح، على يد فرد من قبيلة التياها، قبل أن يتطور سريعاً من نزاع فردي إلى حشد مسلحين، وفرض حصار على مناطق كاملة، وتبادل تهديدات علنية بين الطرفين، وسط غياب لافت لقوات الجيش والأمن رغم انتشارها الكثيف في المحافظة.

نفوذ العرجاني وحياد الدولة

ويأتي التصعيد في وقت تتزعم فيه قبيلة الترابين شخصية مثيرة للجدل، هو رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، المعروف بقربه من المؤسسات الأمنية، وتاريخه المرتبط بالعنف وخطف ضباط قبل 2013، قبل أن يتحول بعد الانقلاب إلى أحد أبرز وكلاء النظام في سيناء، وواجهة اقتصادية وأمنية فاعلة، وقيادي بحزب موالٍ للسلطة.

وتؤكد المصادر أن نفوذ العرجاني أسهم في تحييد تدخل الدولة، حيث امتنعت قوات الجيش والأمن عن التدخل المباشر بحجة أن النزاع «شأن قبلي»، في سابقة تعكس حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به بعض القيادات القبلية، وقدرتها على فرض منطقها خارج إطار القانون.

من خلاف مالي إلى مواجهة مسلحة

وتشير تفاصيل النزاع وفقا للعربى الجديد  إلى أنه بدأ بخلافات مالية بين أفراد من القبيلتين، تطورت إلى مصادرة متبادلة للسيارات وملاحقات مسلحة في أكثر من منطقة، قبل أن تبلغ ذروتها بمقتل سالم الغول الترباني، وهو ما فجّر موجة تصعيد واسعة.

وقال أحد مشايخ قبيلة الترابين إن محاولات عديدة من قبائل أخرى جرت لاحتواء الأزمة، إلا أنها فشلت بسبب رفض قبيلة التياها تسليم المتورطين في القتل، مؤكداً أن الأعراف القبلية في سيناء تمنح المشايخ أولوية فض النزاعات، وهو ما تستند إليه الدولة لتبرير انسحابها من المشهد.

سلاح «مكافحة الإرهاب» يعود إلى الداخل

ويحمل هذا التوتر دلالات أعمق تتجاوز الخلاف الحالي، إذ تعود جذوره إلى سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش»، حين اعتمدت الدولة على تسليح مجموعات قبلية ومنحتها حرية الحركة، في إطار ما سُمّي بـ«مكافحة الإرهاب».

هذا الترتيب الأمني أسهم في تراكم السلاح خارج سيطرة الدولة، وتحول بعض القيادات القبلية إلى لاعبين أمنيين واقتصاديين، خاصة في رفح والشيخ زويد، مستفيدين من الغطاء الرسمي وغياب أي خطة لنزع السلاح أو إعادة دمج تلك المجموعات بعد تراجع العمليات المسلحة منذ 2022.

بيئة مشتعلة ومخاطر مفتوحة

ومع استمرار القيود الأمنية المشددة، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتراجع النشاط الاقتصادي، تفاقم الاحتقان داخل المجتمعات القبلية، لا سيما في ظل تداعيات الحرب على غزة، وما فرضته من استنفار عسكري وتحركات أمنية واسعة على الحدود.

ويرى مراقبون أن ما تشهده سيناء اليوم ليس حادثاً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لسياسات أمنية قصيرة النظر، حولت القبائل من مكوّن اجتماعي إلى أدوات أمنية، ثم تركتها مسلحة بلا ضوابط، محذرين من أن أي صدام قبلي واسع قد يخرج عن السيطرة، ويكشف فقدان الدولة لزمام المبادرة في واحدة من أكثر المناطق حساسية سياسياً وأمنياً.