من العمل الطلابي للمعارضة السياسية.. محمد القصاص حبس بلانهاية وسط اتهامات باطلة

- ‎فيحريات

شكّلت محاكمة السياسي المعارض والمدافع عن حقوق الإنسان محمد القصاص محطة جديدة في مسار الخصومة السياسية المتصاعدة في مصر، وعنوانًا إضافيًا لأزمة العدالة وحقوق الإنسان في البلاد. فمنذ اعتقاله في فبراير 2018، ضمن حملة أمنية واسعة سبقت الانتخابات الرئاسية واستهدفت أصواتًا معارضة بارزة، ظل نائب رئيس حزب «مصر القوية» رهين الحبس المطوّل، والتدوير بين القضايا، وتوالي الاتهامات، في مسار يبدو أقرب إلى عقوبة سياسية مفتوحة منه إلى إجراء قانوني منضبط.

لم يتوقف الأمر عند استمرار احتجازه، بل تصاعد بإصدار حكم بسجنه عشر سنوات، ثم إلحاقه بثلاث قضايا أخرى تتضمن تهماً جسيمة قد تصل عقوباتها إلى الإعدام، في دلالة واضحة – وفق منظمات حقوقية – على اتساع دائرة التنكيل بالمعارضين السياسيين والنشطاء، واستخدام القضاء الاستثنائي كأداة لإدارة الخصومة السياسية.

جلسة مؤجلة واتهامات نمطية

وكانت أحدث فصول هذه القضية مساء العاشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري، حين قررت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة داخل مجمع سجون بدر، تأجيل محاكمة محمد القصاص ورئيس حزبه عبد المنعم أبو الفتوح وآخرين، في القضية رقم 786 لسنة 2020 (حصر أمن دولة)، والمقيّدة برقم 1023 لسنة 2024 (جنايات أمن دولة)، إلى جلسة الثاني من فبراير/شباط المقبل، وذلك لتمكين هيئة الدفاع من استكمال مرافعاتها.

ووجّهت النيابة العامة للمتهمين اتهامات بتولي قيادة جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون، وتعطيل الدستور، والتحريض ضد مؤسسات الدولة، وتمويل الإرهاب، وهي اتهامات باتت حاضرة بشكل متكرر في قضايا المعارضين السياسيين، وتعتمد – بحسب حقوقيين – على صياغات فضفاضة تُستخدم لتجريم العمل السياسي السلمي.

من العمل الطلابي إلى المعارضة المدنية

وُلد محمد علي إبراهيم القصاص، الشهير بمحمد القصاص، في 3 مارس/آذار 1974. وبدأ نشاطه السياسي في المرحلة الجامعية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة، حيث انخرط في العمل الطلابي والسياسي، منتميًا في تلك المرحلة إلى جماعة الإخوان المسلمين. وبعد تخرجه، واصل نشاطه العام، وشارك في حركات معارضة عابرة للتنظيمات، من بينها حركة «كفاية» و«الجمعية الوطنية للتغيير»، التي طالبت بإنهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وكان القصاص من المشاركين في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وعضوًا في «ائتلاف شباب الثورة»، الذي جمع قوى سياسية متعددة سعت إلى إسقاط النظام الاستبدادي. 

وفي ديسمبر/كانون الأول 2013، شارك مع عدد من نشطاء الثورة في تأسيس حزب «التيار المصري»، قبل أن يندمج الحزب لاحقًا مع «مصر القوية» الذي أسسه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. وفي سبتمبر/أيلول 2016، جرى تعيين القصاص نائبًا لرئيس الحزب .

حبس بلا نهاية ودوّامة التدوير

بدأت رحلة القصاص مع السجن في 10 فبراير/شباط 2018، حين أُلقي القبض عليه أثناء عودته من حفل زفاف، بالتزامن مع حملة أمنية استهدفت قيادات وأعضاء حزب «مصر القوية» بعد دعوته إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية. وظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا متهمًا في القضية رقم 977 لسنة 2018، بتهم من بينها نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد قضائه عامين كاملين في الحبس الاحتياطي، قررت النيابة في فبراير/شباط 2020 إخلاء سبيله، إلا أن القرار لم يُنفّذ، إذ جرى تدويره فورًا على ذمة قضية جديدة رقم 1781 لسنة 2019، بالتهم نفسها، رغم أن الوقائع المنسوبة إليه وقعت خلال فترة احتجازه.

وتكرر السيناريو ذاته في أغسطس/آب 2020 مع إدراجه في القضية رقم 786 لسنة 2020، ثم في يوليو/تموز 2021 بإلحاقه بقضية رابعة حملت رقم 440 لسنة 2018، في نموذج صارخ لما تصفه المنظمات الحقوقية بـ«التدوير الممنهج» لإطالة أمد الحبس.

وفي 29 مايو/أيار 2022، أصدرت محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ حكمًا بالسجن المشدد عشر سنوات بحق محمد القصاص، وخمس عشرة سنة بحق عبد المنعم أبو الفتوح. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، صدّق الحاكم العسكري على الحكم، ليصبح باتًا وغير قابل للطعن، في تأكيد جديد على اعتماد المحاكم الاستثنائية في قضايا الخصومة السياسية.

معاناة إنسانية خلف القضبان

إلى جانب معاناته القانونية، يواجه محمد القصاص أوضاعًا صحية وإنسانية قاسية داخل محبسه. إذ يعاني من أمراض مزمنة، أبرزها اضطرابات ضغط الدم والسكر، تحتاج إلى رعاية طبية مستمرة، قالت منظمات حقوقية إن إدارة السجن تقاعست عن توفيرها. كما تعرض لفترات حبس انفرادي طويلة، وحُرم من التريض والكتب والصحف لسنوات.

وبعد نقله إلى مجمع سجون بدر، تفاقمت معاناته مع نظام الزيارة داخل «كابينة زجاجية» مغلقة، وصفها ذوو المعتقلين بأنها غير إنسانية. وقد رفض القصاص هذا النظام، فيما ناشدت زوجته إيمان البديني السلطات تغييره، مؤكدة أنها تعاني من أمراض صدرية، وأن سوء التهوية داخل الكابينة تسبب لها في فقدان الوعي ووضعها على جهاز تنفس صناعي خلال إحدى الزيارات في أكتوبر/تشرين الأول 2022.

وتشير الزوجة إلى أن أطفالها الثلاثة لا يُسمح لهم برؤية والدهم إلا في مناسبات نادرة، رغم أنهم عاشوا بعيدًا عنه سنوات أطول مما عاشوا معه، ما يخلّف آثارًا نفسية عميقة على الأسرة بأكملها.

مطالبات حقوقية مستمرة

وتتواصل المطالبات الحقوقية المحلية والدولية بالإفراج عن محمد القصاص، ووقف ما تصفه بالاحتجاز التعسفي والتدوير الممنهج للقضايا. ودعت منظمات، من بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنظمة العفو الدولية، إلى الإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية سياسية، وإنهاء استخدام القضاء الاستثنائي لقمع المعارضة السلمية.

وبين قاعات المحاكم الاستثنائية وزنازين السجون، تتحول قضية محمد القصاص من مجرد ملف سياسي إلى مأساة إنسانية مفتوحة، تختزل معاناة آلاف المعتقلين في مصر، وتطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل العدالة وحقوق الإنسان في البلاد.