مصر في اليوم العالمي للتضامن مع فلسطين… تضامن رسمي بارد وخوف من أي حضور شعبي

- ‎فيتقارير

 

على الرغم من رمزية اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي تحييه شعوب ودول عديدة عبر فعاليات جماهيرية واسعة، جاء المشهد في مصر هذا العام باهتاً ومختزلاً داخل الإطار الرسمي فقط، في صورة تعكس فزع السلطة من أي حراك شعبي قد يُقرأ كتعاطف مع غزة في ظل الحرب الدامية على القطاع. فبينما تشهد عواصم العالم مسيرات ضخمة وترفع شعوبها صوتها تضامناً، اكتفت حكومة السيسي ببيانات وتصريحات بروتوكولية، فيما ظل الشارع المصري محاصراً وممنوعاً من أي فعل رمزي مهما كان بسيطاً.

 

أصدرت وزارة الخارجية بياناً مطوّلاً تحدث عن “ثوابت الموقف المصري” و“الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف”، ودعا إلى وقف إطلاق النار وتوفير ممرات آمنة للمساعدات. غير أن هذا الخطاب جاء منفصلاً تماماً عن الواقع؛ إذ بدا أشبه بمحاولة لتغطية غياب تام للحضور الشعبي، واحتكار الدولة للمشهد التضامني بما لا يتجاوز حدود التعبير الشكلي.

 

حتى داخل المؤسسات الرسمية، ظل التعاطي محدوداً. فقد نشرت وزارة الأوقاف مقالاً دينياً عاماً عن البعد الأخلاقي للتضامن، وظهرت إشارات خجولة في بعض الفعاليات الثقافية، لكنها بقيت بلا طابع جماهيري ولا علاقة مباشرة بالذكرى. كما لم يبادر أي حزب، سواء داخل البرلمان أو خارجه، بتنظيم فعالية أو حتى إصدار بيان رمزي، في مؤشر جديد على تفريغ الحياة السياسية من مضمونها.

 

ويرى مراقبون أن هذا “الاختفاء الكامل” للفعاليات الشعبية لا يعكس تراجع التأييد لفلسطين، بل يعكس حقيقة أن المجال العام في مصر أصبح مغلقاً بالكامل أمام أي تعبير جماهيري للتضامن الإنساني مع غزة. فالسلطات، التي اعتقلت خلال الأشهر الماضية عشرات الداعمين لغزة على خلفية رفع علم أو ترديد هتاف، رسّخت معادلة مفادها أن أي فاعلية أو وقفة رمزية أو تعليق لافتة تُعد تهديداً محتملاً يجب قمعه قبل أن يبدأ.

 

ومقارنة بالمشهد قبل أكثر من عقد، حين كانت الجامعات والأحزاب والنقابات قادرة على تنظيم فعاليات رمزية، تبدو الساحة اليوم خالية تماماً تحت وطأة قوانين التظاهر والعمل الأهلي والقبضة الأمنية الممتدة. وهكذا، تحوّل التضامن من فعل شعبي حقيقي إلى مجرد احتفالات رسمية محكومة بسقف الدولة وحدودها الضيقة.

 

علاء الخيام، منسّق تيار الأمل ورئيس حزب الدستور السابق، أكد في تصريحات لـ“العربي الجديد” أن التعاطف الشعبي مع فلسطين لا يزال راسخاً، بل جزء من الوجدان المصري، لكن هذا الشعور محروم من التعبير العلني. وقال إن المصريين “يرون كيف تُواجَه أبسط محاولات التضامن باعتقالات وإجراءات أمنية”، ما يدفع كثيرين للعزوف عن أي فعل قد يعرّضهم للملاحقة.

 

وأشار الخيام إلى اتساع الفجوة بين المزاج الشعبي والمواقف الرسمية، معتبراً أن السلطة تتعامل مع الملف الفلسطيني باعتباره “عبئاً يجب إدارته لا التزاماً سياسياً أو أخلاقياً”. ولفت إلى أن التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل يمضي بلا توقف، فيما يتواصل القصف والحصار على غزة، وتُمارس المنصات الإعلامية القريبة من الدولة سياسة تعتيم وتخفيف لمشهد الكارثة.

 

وبينما يبقى حضور فلسطين ثابتاً في وجدان المصريين، بات هذا الحضور غير مرئي في المجال العام؛ لا لضعفه، بل لأن أدوات القمع والضيق الاقتصادي اليومي دفعت الناس إلى الصمت القسري، فيما اختزلت الدولة التضامن مع غزة في بيانات رسمية لا تغني ولا تسمن من جوع.