تونس من جديد .. ربيع مرتقب بين مطرقة الانسداد الاقتصادي وسندان الحراك الميداني

- ‎فيعربي ودولي

 

تشهد الساحة التونسية تحولات متسارعة أثارت اهتمام المراقبين للشأن المغاربي والدولي. فبعد فترة من الهدوء الحذر الممتد منذ إجراءات يوليو/تموز 2021، عاد الشارع التونسي ليتصدر المشهد السياسي عبر موجة احتجاجات تقودها أطياف واسعة من المعارضة ونقابات المجتمع المدني.

 

وتأتي التحركات الأخيرة في العاصمة والعديد من المحافظات الداخلية نتيجة تراكمات معقدة تخطت مجرد التعبير عن الرأي الإيديولوجي لتلامس المعيش اليومي للمواطن، ويمكن إجمال الدوافع البنيوية لهذا الحراك في معاناة التونسيين من تدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية؛ حيث قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية شملت المواد الأساسية وأضاحي العيد، بالتوازي مع تردي الخدمات العامة كالصحة والنقل والتعليم، وتفاقم الضغط الجبيائي على المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

 

 حيث يسود الشارع التونسي حالة من القلق إزاء ما يوصف بـ"الخيار الأمني القمعي الممنهج"، إذ امتلأت السجون التونسية بوجوه بارزة من مختلف العائلات السياسية (اليمينية واليسارية على حد سواء)، بالإضافة إلى الإعلاميين، المحامين، والمدونين. ويرى المحتجون أن السلطة تستخدم القضاء كأداة لتصفية الخصوم تحت غطاء "محاربة التآمر ولوبيات الفساد".

 

وتكشف المؤشرات عن عطب اجتماعي خطير، حيث تشير التقارير الرسمية والأهلية (مثل منظمة Clean Up التونسية) إلى اتساع ظاهرة التفتيش في النفايات لكسب القوت لتشمل أكثر من 8 آلاف شخص من بينهم شباب دون سن الـ25. وتزامن هذا مع نزيف حاد في هجرة الأدمغة التونسية (أطباء، مهندسون، وجامعيون) الذي تجاوز 15 ألف كفاءة غادرت البلاد بحثاً عن آفاق أفضل.

وبحسب مراقبين تكمن الأهمية القصوى للحراك الدائر حالياً في كونه يحمل ملامح جديدة لم تكن مألوفة خلال السنوات الثلاث الماضية.

كسر جدار الخوف

نجح لفيف من النشطاء والقيادات الحزبية في تنظيم مسيرات تُعد الأضخم منذ العام 2021. تميزت هذه المسيرات بـكسر جدار الخوف عبر رفع شعارات جريئة ومباشرة تحاكي شعارات ثورة 2011، مثل: "يا مواطن يا مقموع.. جاك الفقر جاك الجوع"، و*"شعب جيعان.. والحبس شبعان"*. الجديد هنا هو التنوع الديموغرافي والسياسي؛ حيث التقت أطراف يسارية ويمينية ومستقلون على هدف مشترك وهو "إنهاء منظومة ما بعد يوليو 2021"، بعد جولات من الحوارات الداخلية التي أفرزت هذا المشترك.

بلاغ المؤسسة العسكرية.. الغموض المثير للجدل

من أبرز التطورات الأخيرة صدور بلاغ مقتضب وغامض من الجيش التونسي. جاء هذا البيان في توقيت حساس تزامن مع تصاعد التسريبات حول وجود صراعات داخل أجنحة السلطة بخصوص استحقاقات المرحلة المقبلة.

واعتبر مراقبون أن دخول المؤسسة العسكرية على خط التفاعل السريع -وإن كان مشوباً بالتحفظ العسكري المعتاد- يشي بوجود نقاشات عميقة داخل غرف القيادة، ويعطي انطباعاً بأن الجيش لن يكون بعيداً عن صياغة السيناريوهات القادمة لحماية استقرار الدولة ومنع انزلاقها نحو الشلل التام.

تدحرج المعارضة نحو "التدويل"

شهدت الأسابيع الأخيرة حراكاً مكثفاً ومؤثراً لمعارضي الرئيس قيس سعيّد في العواصم الأوروبية والعربية، واتخذ هذا التحرك منحى قضائياً ودبلوماسياً عبر رفع دعاوى ومذكرات لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والبرلمان الأوروبي، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. هذا التدويل فرض ضغطاً حقوقياً متزايداً أثر بشكل مباشر على الصبغة الدبلوماسية للسلطة القائمة وصورتها الخارجية.

سيناريوهات "الدولة العميقة"

بدأت تتسرب إلى العلن أسماء شخصيات تونسية في الخارج تعلن استعدادها للترشح وخلافة الرئيس الحالي، سواء من التكنوقراط (مثل رجل الأعمال كمال الغربي) أو من رموز النظام الأسبق المسنودين مما يُعرف بـ"الدولة العميقة" (مثل منذر الزنايدي). هذا الحراك يعكس قناعة لدى أوساط واسعة بأن "الانسداد السياسي" الراهن يتطلب طرح بدائل جاهزة قادرة على كسر حالة العزلة الدولية.

أصوات من المشهد

وتتداخل في الأزمة التونسية الرؤى الإقليمية والوطنية، ويمكن رصد هذا التباين من خلال مواقف القيادات والشخصيات المؤثرة:
وتعكس الحالة الصحية والسياسية لرموز المعارضة المعتقلين، كالشيخ راشد الغنوشي (الذي يخوض إضرابات عن الطعام تضامناً مع المعتقلين) والأستاذ نجيب الشابي، حالة من الإصرار على مواجهة التدابير الحالية، وتشير رسائلهم إلى التمسك بالحرية الجامعة ورفض الإقصاء، معتبرين أن "الاعتقال التعسفي" سينتهي قريباً باستعادة الشعب لنهجه الديمقراطي.

وصدرت مؤخراً أحكام مشددة بحق معارضين ورؤساء حكومات سابقين، كالحكم على الغنوشي بالسجن 22 سنة، وعلى رئيس الحكومة الأسبق هشام المشيشي (غيابياً) بـ35 سنة في قضية "انستالينغو"، مما يعزز وجهة نظر المعارضة بأن الأحكام ذات طابع سياسي تصفوي.

 

    البعد الإقليمي والثورات المضادة

يرى طيف من المفكرين والسياسيين ومنهم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، والسياسي وزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام، أن تونس لم تكن معزولة عن رادارات التخطيط الإقليمي. وثمة قراءة سائدة ترى أن هناك رغبة إقليمية مستمرة لإجهاض نموذج الربيع العربي عبر دعم مسارات الحكم الفردي، مما يتطلب -حسب رأيهم- تنسيقاً شعبياً عربياً أوسع لمواجهة مشاريع الاستبداد. كما تُستدعى في هذا السياق شهادات تاريخية، كشهادة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي حول الضغوط والمساعدات المشروطة لتكرار سيناريوهات معينة في المنطقة.

 

المشهد الدولي والإقليمي وتساؤلات المستقبل

 

تتزامن التحركات الداخلية مع رصد حراك ملموس للسفير الأمريكي في تونس، وبروز ملامح خلاف مكتوم بين الرئاسة التونسية والقيادة الإيطالية، وهو ما تناولته الصحافة الأوروبية (مثل صحيفة "كوريري ديلا سيرا" الإيطالية) بالحديث عن سياقات التغيير المحتملة في تونس وفشل السياسات الاقتصادية الراهنة.

وتؤكد المعطيات الميدانية والسياسية أن المياه بدأت تتحرك بقوة في الوادي التونسي الراكد، وأن الساحة لم تعد تحتمل استمرار الخطاب الرسمي المرتكز على "نظرية المؤامرة والتخوين" دون تقديم حلول عملية للأزمات المعيشية المتلاحقة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري الذي يتردد في المقاهي التونسية كما في كواليس الحكم: متى سيحدث التغيير؟ ومن هي الجهة التي ستتولى هندسته في ظل الغموض الذي يكتنف موقف المؤسسة العسكرية والتحركات الدبلوماسية الخارجية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تزال في خانة المجهول، وهو ما يضع تونس أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين الانفجار الاجتماعي العفوي أو التغيير الهيكلي المنظم من داخل أجهزة الدولة.