بعد سنوات من التطمينات والأكاذيب التي روجها السيسي بنفسه وإعلامه، حول انه لا مشكلة تواجه مصر بشأن سد النهضة، وخروج إعلامه الانقلابي ليخدع المصريين بمثل: "السيسي خلصها" "خلصت" "السيسي حلها" "اطمئنوا"… وغيرها من المسكنات الخادعة، جاء الواقع المرير لحجز إثيوبيا منفردة أكثر من 4,9 مليار متر مكعب، وتواصل إثيوبيا جهودها لتثبيت حقوق لها غير مسبوقة تاريخيا على حساب المصريين بعد تنازل السيسي في ٢٠١٥.
ورغم مطالبات ومقترحات الخبراء بضرورة التحرك واستخدام وسائل بديلة للمفاوضات كويلة الأمد التي تستغلها إثيوبيا لإطالة أمد المفاوضات لكي تتمكن من استكمال البناء، ورغم ذلك يخرج السيسي الثلاثاء، ليطلق تصريحات باهتة، لا تتماشي مع المخاطر المحيطة بمصر.
مزيد من المفاوضات
ومن جملة التصريحات الباهتة، التي أطلقها: " نتفاوض بشأن سد النهضة والتفاوض قد يطول والقلق أمر مشروع للشعب المصري ولكن التهديد أمر مرفوض". مضيفا "نحن مع إثيوبيا في حقها التنموي لكن بشرط ألا يكون له تأثير على كمية المياه التي تصلنا".. وفي محاولة لاستمالة الإثيوبيين، وكأن الخلاف بين صديقين، يقول قائد الانقلاب العسكري: "مياه النيل جاء بها الله عز وجل وأطمئن المصريين لأن قضيتنا عادلة".. متابعا أن "مصر أبدت استعدادها لإثيوبيا للمساعدة في بناء سد النهضة بشرط عدم الإضرار بحقوقها".
وغيرها من التخاريف غير المؤامة للتهديدات التي تتعرض لها مصر من فقدان رقعتها الزراعية وتحول أراضيها لصحراء ونقص الغلال والغذاء والأسماك وفقدان ملايين الوظائف.
تغيير قواعد اللعبة
وعلى عكس الاستهانة والتهوين الذي يخدع به السيسي المصريين، يعتبر كبير الاقتصاديين بمركز سميث للبحوث وتصنيفات الائتمان المالي، "سكوت ماكدونالد"، أن نجاح إثيوبيا في إنهاء بناء سد النهضة غيّر قواعد اللعبة في أفريقيا، مرجحا أن الحرب على مياه نهر النيل قادمة.
جاء ذلك في مقال كتبه "ماكدونالد" بمجلة "ناشونال إنترست"، تحت عنوان "استعدوا لحرب على نهر النيل". وذكر الخبير أن اكتمال بناء السد سيمنح إثيوبيا نفوذا كبيرا على دول المصب وقد يعزز من قدرتها في التأثير في عموم القارة الأفريقية، لافتا إلى أنه سيكون لهذا الأمر على الأرجح تبعات على المشهد الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة.
مشكلة عويصة
وبحسب الكاتب فمن المرجح أن يظل سد النهضة يشكل مشكلة عويصة في علاقات إثيوبيا مع مصر والسودان، ومع أن احتمال إقدام مصر وإثيوبيا على خوض عمليات عسكرية ضد بعضهما يمثل تحديا كبيرا، فإن البلدين سوف يستعينان بضغوط أصدقائهما وحلفائهما. ولطالما مارست الولايات المتحدة ضغطا على إثيوبيا لحملها على توقيع اتفاق لتقاسم المياه لتبديد مخاوف حليفتها مصر بشأن نهر النيل.
ومن ناحية أخرى تتعرض واشنطن لضغوط من السعودية لكي تساعد مصر في نزاعها مع إثيوبيا. من جانبها، فإن إثيوبيا وضعت الولايات المتحدة في مواجهة مع الصين التي تعد مستثمرا رئيسيا للدولة الواقعة في شرق أفريقيا وشريكتها التجارية الكبيرة.
مواقف متباينة
ووفقا للكاتب، فإن وضع مصر الجيوسياسي "معقد"، فبينما تعارض مصر بشدة مضي إثيوبيا قدما في ملء خزان السد، فإنها تتوجه في الوقت نفسه نحو تهديد ليبيا بتدخل عسكري، بدعم وتحريض إماراتي سعودي سيدفع ثمنه المصريون من حياتهم وجيشهم.
فيما يعتبر كثير من المراقبين، أن السيسي لو استخدم نفس اللغة التصعيدية التي يتعامل بها مع الملف الليبي ضد إثيوبيا في ملف سد النهضة، لكانت كثير من قواعد اللعبة قد تغيرت لصالح مصر وحقوقها المائية الضائعة.. بل إن اصرار السيسي وتصريحاته المتتالية حول التوجه العسكري نحو ليبيا بدعم إماراتي وسعودي تكشف تحويله جيش مصر لمرتزقة يحاربون مقابل الأموال من السعودية والإمارات، وليس لأجل مصر وحقوق شعبها ومصالحهم الاستراتيجية سواء في سيناء أو جنوبا من أجل سد النهضة.