حققت السندات المصرية عائدا إجماليا تجاوز 10% منذ نهاية مارس الماضي، مقابل نحو 3.2% في المتوسط لسندات الأسواق الناشئة خلال الفترة نفسها.
كما تراجعت تكلفة عقود مبادلة مخاطر الائتمان لخمس سنوات إلى 2.69 نقطة مئوية، بانخفاض 1.62 نقطة مئوية منذ نهاية مارس.
هذه الأرقام تعني أن المستثمرين أصبحوا أكثر استعدادا لشراء الدين المصري، لكنها لا تعني أن الاقتصاد المصري خرج من أزمته.
بل يمكن قراءة التطور باعتباره تحسنا في قدرة الدولة على الوصول إلى التمويل، أكثر منه تحسنا في قدرتها على الاستغناء عن التمويل.
وهذه نقطة جوهرية عند تقييم الأداء الاقتصادي لنظام السيسي؛ إذ إن انخفاض تكلفة الاقتراض قد يمنح الحكومة مساحة أكبر لتأجيل معالجة جذور الأزمة، بدلا من حلها.
شهادة على الإصلاح أم دليل على حجم الأزمة؟
تستند الثقة الجديدة في السندات المصرية أيضا إلى استمرار القاهرة في تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي.
لكن المفارقة أن البرنامج نفسه يتضمن إجراءات تعكس حجم الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، ومنها التشديد النقدي والانضباط المالي وتسريع برنامج التخارج من أصول الدولة.
أي أن السوق تكافئ مصر حاليا على الالتزام بإجراءات إصلاحية بعد سنوات من الاختلالات، وليس على نجاح اقتصادي مستقل عن التمويل الخارجي.
كما أن استمرار الحاجة إلى برنامج صندوق النقد والتمويل الأوروبي يطرح سؤالا أكثر أهمية: هل استطاعت السياسات الاقتصادية خلال عهد المنقلب السفيه ، السيسي بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه، أم أنها نجحت فقط في تأمين مصادر جديدة للسيولة كلما اقتربت البلاد من أزمة تمويل؟
التخارج من أصول الدولة.. الورقة التي لا تزال حاضرة
رغم التحسن في أسعار السندات، لا تزال احتياجات مصر التمويلية مرتفعة، بينما يظل التقدم في برنامج التخارج من أصول الدولة دون مستوى التوقعات.
وهذا يعني أن حكومة الانقلاب ، لا تزال تعتمد على بيع أو طرح أصول وشركات ومشروعات لتوفير العملة الأجنبية وسد فجوات التمويل.
ومن منظور نقدي، فإن اللجوء المتكرر إلى بيع الأصول يمكن أن يوفر سيولة مؤقتة، لكنه لا يمثل بديلا عن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد النقد الأجنبي.
فالاقتصاد الذي يحتاج إلى بيع أصوله بصورة متكررة لتوفير الدولار لا يمكن وصفه بأنه تعافى بالكامل، حتى لو انخفضت علاوة مخاطر سنداته.
هل اقترب رفع التصنيف الائتماني؟
بدأ مستثمرون يتوقعون إمكانية رفع التصنيف الائتماني لمصر بعد نجاحها في الوفاء بمستهدف الاقتراض بالعملات الأجنبية للعام المالي 2025-2026.
ويُطرح احتمال رفع تصنيف مصر الحالي لدى "موديز" البالغ CAA1، مع استفادة السندات من تحسن تقييم مسار الإصلاح لدى صندوق النقد.
لكن رفع التصنيف، إذا حدث، سيكون انعكاسا لتحسن قدرة مصر على إدارة التزاماتها التمويلية في المرحلة الحالية، وليس بالضرورة شهادة على نجاح النموذج الاقتصادي ككل.
السوق ترى انخفاض الخطر.. لا انتهاء الأزمة
تراجع علاوة مخاطر السندات المصرية إلى أدنى مستوى منذ 2014 يمثل خبرا إيجابيا للمستثمرين ولقدرة الحكومة على الاقتراض، لكنه يحتاج إلى قراءة أبعد من العنوان.
فمصر ما زالت تواجه دينًا مرتفعا، واحتياجات تمويلية كبيرة، واعتمادا على الدعم والتمويل الخارجي، وبرنامجا مستمرا للتخارج من أصول الدولة.
وبالتالي فإن تقديم هذا التراجع باعتباره انتصارا اقتصاديا لنظام السيسي سيكون قراءة مبتسرة للأرقام. التحسن الحالي هو، في جانب كبير منه، نتيجة لتدفقات التمويل الخارجي وإعادة بناء الاحتياطيات والالتزام بشروط الإصلاح، بعد سنوات من الأزمات التي شهدت نقصا حادا في العملة وارتفاعا كبيرا في مخاطر الدين.
والسؤال الحقيقي ليس لماذا انخفضت علاوة المخاطر الآن، وإنما هل تستطيع مصر الحفاظ على هذا التحسن عندما تتراجع التدفقات الاستثنائية ويأتي موعد سداد الديون، دون اللجوء مجددا إلى مزيد من الاقتراض أو بيع الأصول؟
فهنا تحديدا يمكن قياس نجاح أو فشل السياسة الاقتصادية خلال عهد السيسي، وليس بمجرد ارتفاع أسعار السندات في الأسواق الدولية.