30 يونيو.. كيف دمّر السفيه السيسي السياسة ومهّد لبداية نهايته؟

- ‎فيتقارير

كانت 30 يونيو مثل صاعقة دكت بنيان الوطن السياسي والاجتماعي والاقتصادي فتحولت مصر بفعلها الي ركام وطن وبقايا أمة، انقلبت من دولة مدنية يحكمها رئيس مدني منتخب انتخابا حرا الي دولة عسكرية امنية يحكمها حفنة من العسكر دون دراية او خبرة بأدوات الحكم الرشيد.

واستخدم المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي ومن معه اقسى أدوات القمع والقهر ضد القوي الحية في المجتمع المصري، بعد 30 يونيو زادات حالات القتل خارج القانون وحالات الاخفاء القسري للمعارضين وحالات الإعدام الجماعي علي خلفية قضايا ملفقة، وبعد 30 يونيو تم مصادرة الحياة السياسية فلا توجد أحزاب بالمعني الحقيقي للأحزاب هناك فقط أحزاب السلطة صنعتها الأجهزة الأمنية والسيادية لتقوم بأدوار مرسومة بعناية، بعد 30 يونيو القمع زاد عن حده وعندما يزيد أي شيء عن حده ينقلب الي ضده هذه من المسلمات،ربما تكون هذه هي ارهاصات نهاية مرحلة 30 يونيو بكل مآسيها.

هناك تجارب عالمية ملهِمة، أُجريت عليها مئات الدراسات، باحثةً في منحنيات الصعود والهبوط، وهل النجاح يشترط بالضرورة رؤية أيديولوجية، أو يمكن الانطلاق من الروح الاحتجاجية باتجاه رؤية عملية سياسية؟ وعشرات الأسئلة الأخرى، التي غاب التساؤل عنها وعن غيرها، في ظل امتداد حال الكساح والتكلس، الإحباط والتحطم التي أصابت ــ ولا تزال ــ المعارضة السياسية السلمية في مصر. 

عند التقييد الشديد للحركة لفترات طويلة، في أماكن شبه مظلمة، من دون تهوية، تبدأ العظام بفقدان معادنها فيما يُعرف بـ هشاشة العظام، أما الرطوبة المزمِنة التي تصيب المباني، فتؤدي إلى "تآكل الخرسانة"، ونمو العفن والفطريات داخلها، ومن ثم هبوط أساساتها.

هل يمكن التعافي من كلا الحالين؟ نعم بمقدار وشروط، تبدأ بتغيير الظروف المحيطة، لكن ماذا لو لم تتغير؟ هنا يقول العلم إنه في حال الإنسان والبنيان، يمكن مقاومة التلف والحفاظ على خاصية البقاء، فيكون العنوان الأمثل هو "إدارة الضرر". ويملك جسم الإنسان ها هنا خاصية أفضل، هي التجدد الذاتي للأنسجة، إلا إذا أصيبت بحالة جنون وانقلاب على الفطرة، فأخذت تهاجم بعضها البعض. أما المبنى فلا يُشفى ذاتياً  بل لا بد من التدخل الهندسي لإصلاح العطب.
 

هل ترسو "سفينة نيرودا" في "واحة الغروب"؟ 

تشمل "إدارة الضرر" للإنسان، المواظبة على الحركة في المكان، ومحاولة تلمُّس أي مساحة للتعرض للشمس ولو بشعاع بسيط، وشرب الماء بكثافة، ومن ثَّم تأتي المهمة الأسمى والأصعب تدريب النفس على التمسك بالحياة وبكل عادة.

 أما في حال المبنى، فإذا تعذرت إزالة الرطوبة بالكامل، فيمكن مراقبة الشقوق والتآكل دورياً، ومعالجة مناطق الصدأ أولاً بأول، واستخدام مواد حماية وعزل إضافية، وتدعيم العناصر الأكثر تعرضاً للخطر.

هذه الخطط قد تطيل عمر الإنسان والبنيان لسنوات أو لعقود أحياناً، وهي لا توقِف تماماً عملية التدهور، لكن يبقى ثمة أمل في إحداث تحسن فارق، في حال الوصول إلى لحظة انقشاع الظرف الحالك ، فهل يمكن أن تقبل العلوم الطبيعية والاجتماعية، بمثل هذه المقاربة، عند التفكير في ماهية المخرج المتاح أمام المعارضة المصرية المكبّلة؟
 

سلمية مدنية انهزامية

التكبيل يتخطى حدود سياسة القوة الغاشمة "وفق تعبير المنقلب عبد الفتاح السيسي " إلى أعطاب جاثمة أصابت المبنى والمعنى، أعطاب كشف عنها القهر أو ولَّدها، والنتيجة سيان: هوانٌ زاد هذا الشعب بؤسا ، فهو ليس فقط مقهوراً وبائساً جراء الوضع الحالي، ولكنه أيضاً يائس من قدرة التعويل على تلك المعارضة، إذا ما بزغ في الأفق بعض أملٍ على استحياء، بل ويلاحظ المار من دون عناء، كيف انتشرت في الأعمدة والفواصل الطفيليات والعفن.

تجربة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني خلال الحكم الممتد للديكتاتور الدموي فرانكو، بدأت بتأسيس قيادتين، الأولى في المنفى، حيث الاهتمام بالعلاقات الدولية وفرص التمويل، والأخرى داخلية حيث بناء طويل للشبكات العمالية والاجتماعية، التي عملت على التفاعل مع المشكلات المباشرة في بيئات العمل.

ومن بعد السؤال بـ "هل"، يأتي سؤال "كيف"؟ فتلك الأحزاب السياسية ليست أجساداً ولا مبانيَ، بل تنظيمات اجتماعية تتأثر بالبيئة السياسية وبخيارات أعضائها، وهي أحزاب مقيّدة الحركة قانونياً أو أمنياً، محدودة القدرة على التواصل مع الجمهور، تعاني انقسامات داخلية وصراعات شخصية، تَفقد بشكل دوري جزءاً من كوادرها ومن قاعدتها الاجتماعية.

هي هذا كله، وعلى الرغم من هذا، يظل السؤال: أليس من المجدي التفكير في إعادة بناء معارضة ترنو إلى التغيير، على الرغم من عدم زوال نظام الاستبداد والتنكيل؟
 

ذاكرة العالم

التاريخ السياسي يقول نعم، الأمر مجدٍ، وفي الأمثلة تبرز أسماء، منها المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب إفريقيا إبّان نظام الفصل العنصري، وحركة تضامن في بولندا بعد فرض الأحكام العرفية، والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني خلال الحكم الممتد للديكتاتور الدموي فرانكو.
"

الزنزانة المصرية" والتجارب الدولية في العفو عن السجناء 

والبداية من الأبعد، من تجربة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني التي امتدت منذ أوائل الأربعينيات وحتى منتصف السبعينيات. بدأت القصة بحظر الحزب والنقابة المرتبطة به، وإعدام وسجن ونفي آلاف النشطاء، وانتهت بانتخاب الشعب للقيادة الجديدة للحزب على مدار أربع مراتٍ، في انتخابات برلمانية عقب سقوط الديكتاتورية.

بدأ العقد الأول بتأسيس قيادتين، الأولى في المنفى، حيث الاهتمام بالعلاقات الدولية وفرص التمويل، والأخرى داخلية حيث بناء طويل للشبكات العمالية والاجتماعية، التي عملت على التفاعل مع المشكلات المباشرة في بيئات العمل.

مشهد تمّ في حالةٍ شبه سرّية، عنوانها عدم الارتباط بين المجموعات، فكانت قاعدة جماهيرية ممتدة أسهمت في اختيار قيادة جديدة من الجيل الجديد، هو فيليب غونثاليث، الذي تولى رئاسة الوزراء من عام 1982 حتى عام 1996، كأحد أهم رموز السياسة الإسبانية الحديثة.

ثم، ومن أوائل الأربعينيات إلى منتصف الخمسينيات، أي تاريخ حظر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي من قبل نظام الفصل العنصري، واعتقال قياداته، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا، حيث تمّ تأسيس القيادتين نفسهما، وأضيفت إليهما ثالثة، لقيادة الحزب داخل السجن، ركّز الحزب على التعليم السياسي، وتدريب الكوادر، وتوحيد تيارات متعددة حول هدف واحد، وقبل هذا وذاك بناء الشرعية الأخلاقية، تطلب هذا الأمر العمل على لجان الأحياء السكنية، ومجموعات أولياء الأمور، ودعم اتحادات الطلبة، ودورات التعليم السياسي التي ركزت بطبيعة الحال على شرح مآلات الفصل العنصري، ولجان الدفاع عن المعتقَلين، ومجموعات المساعدة القانونية المجانية.

اعتمد الحزب آلية "المجموعة الصغيرة جداً"، حيث عدد محدود، يعمل معاً في نطاق محلي ضيق، لكن آلاف المجموعات شكّلت معاً شبكة وطنية واسعة، وهو ما يكفل الاستمرار في حال الاعتقال، أما الهدف الأهم، وفق الأدبيات، فهو دعم أفراد قادرين على القيادة المحلية المنعزلة، لا مجرد حشد لمؤيدين، وعليه، عندما بدأ النظام العنصري بالتراجع في أواخر الثمانينيات، كان الحزب جاهزاً أكثر من خصومه لاستثمار اللحظة.

هي أمثلة راكم أصحابها التجارب والتعلم من بعضها البعض، وعليه، كانت الموجة الواسعة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية منذ منتصف السبعينيات، التي تطلبت هذه المرة اندماجات بين أحزابٍ سابقة اضعفتها الديكتاتورية جميعا، فكانت "حركة تضامن" في بولندا، وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني في السلفادور، والجبهة الواسعة في أوروغواي، فضلاً عن الحزب العمالي في البرازيل.
 

ذاكرة يناير

يتوقف هذا النص أيضاً عند سقف الطموح، الذي شاغل أطياف وأجيال المعارضة المصرية، منذ اندلاع ثورة25 يناير وما بعدها على مدى عامين لا أكثر، حيث كانت تتقدم ظاهرة تَحوُّل الحركات الاحتجاجية الحديثة إلى أحزاب متعددة الاتجاهات الفكرية والسياسية، يظل السؤال المطروح: أليس من المجدي التفكير في إعادة بناء معارضة ترنو إلى التغيير، على الرغم من عدم زوال نظام الاستبداد والتنكيل؟ 

تجارب ملهِمة، أجريت عليها مئات الدراسات باحثةً في منحنيات الصعود والهبوط، وهل النجاح يشترط بالضرورة رؤية أيديولوجية أو يمكن الانطلاق من الروح الاحتجاجية باتجاه رؤية عملية سياسية؟ وعشرات الأسئلة الأخرى، التي غاب التساؤل عنها وعن غيرها، في ظل امتداد حال الكساح والتكلس، الإحباط والتحطم التي أصابت ولا تزال المعارضة السياسية السلمية في مصر.

فهل ما ينقص التجربة المصرية هو استلهام الذاكرة البعيدة لتلك الأحزاب التي رزحت تحت نير الديكتاتورية، أو تلك الذاكرة القريبة لأحزابٍ سبحت عكس التيار في المياه العكرة للديمقراطية؟
نعم. فكثير من الآليات السابق ذكرها، تتعرض في مصر لمزيد من الإجهاض، ما بين الملاحقة الأمنية والإفساد السياسي، لكن هل كانت المساعي كافية؟ هل ينقصها الفلسفة الحاكمة؟ وما يمكن أن تكون؟ بالاستمرار رغم الملاحقة الأمنية، إذ لا بد من استكمال المشروعات نفسها، على الرغم من القبض على بعض قياداتها؟ هل بالامتداد عبر المكان والزمان، حيث الجنوح للمعارك الأقل سقفاً والأعلى انتشاراً؟ هل بالتطهير الداخلي، حيث مراجعة ومحاسبة تفضي إلى لفظ المستعدِين لعقد مواءمات مع الديكتاتورية؟ هل بالتجديد الفكري حيث تفعيل الأيدولوجيا باتجاه البحث عن حلول تفصيلية للمشكلات الآنية؟ هل بالاندماج المجتمعي حيث التعاطي مع  قضايا الناس اليومية دونما شعارات؟ وهل يمكن الجمع بين كل تلك الحيثيات؟ وهل حدود التعافي ترتبط بإرهاق الطاغية عبر السنوات؟