السكك الحديد أقدم شبكة سكك حديدية في أفريقيا، ومع تراكم الخبرات كان من المفترض أن تحتل موقعا متقدما في خدمة المصريين الذين يحتفظون في ذاكرتهم بصورة رائعة كانت القطارات منتظمة انتظاما شديدا في مواعيد الإقلاع والوصول، ولم تعرف مصر في هذه الحقبة حوادث القطارات عندما كانت تدار إدارة صحيحة قبل تولي العسكر حكم البلاد عقب ثورة 23 يوليو 1952، حيث تراجعت مصر منذ هذه اللحظة في معظم المجالات بسبب إهمال تجديد المرافق الحيوية ومتابعة كل جديد في القطاع الحيوي, عقب انقلاب السيسي تدهورت معظم المرافق في مصر ومنها مرفق السكك الحديدية منذ تعيين المنقلب السفيه ، لكامل الوزير، وزيراً للنقل في مارس 2019، تحولت حوادث السكك الحديدية إلى مشاهد اعتيادية يدفع ثمنها المواطن من دمه.
خرج ، رئيس هيئة السكك الحديدية، محمد عامر، فى الذكرى ال13 لنكسة 30 يونيو ، بتصريح كارثي يدعي فيه أن نسبة الحوادث الجسيمة "صفر%" في العامين الماضيين، قال ذلك عبر حيلة بيروقراطية فجة تعيد تعريف الكارثة: "طالما أن الدمار لم يتجاوز 5 ملايين يورو، فالأرواح التي قضت تحت العجلات لا ترقى لمرتبة الحادث الجسيم"..
هذا التصريح ليس مجرد استخفاف بأرواح المصريين، بل هو محاولة بائسة للتغطية على فشل منظومة ابتلعت مليارات الدولارات في قروض لصفقات قطارات استعراضية "مثل تالجو"، بينما تُركت البنية التحتية وأنظمة الإشارات القديمة تحصد الأرواح.
الكارثة أن النظام يتبنى منهجية لإلباس تهمة الفشل لأصغر حلقة في المنظومة "عامل التحويلة أو السائق" تحت مسمى "أخطاء بشرية فردية"، لحماية كبار المسؤولين من المساءلة، منذ نكسة 30 يونيه ، الذى انقلب فيه السيسى وقيادات الجيش ، على ارادة المصريين ليصلوا حلب خيرات مصر ، وكانها عزبة لهم.
لغة الأرقام والوقائع الدامية على الأرض تفضح هذا "الصفر المزعوم"، وتؤكد أن أرواح المصريين سقطت عمداً من دفاتر وزارة النقل، لأنها لم تكلف الخزينة العملة الصعبة.
كشف حساب "نزيف القضبان " في عهد كامل الوزير بالأرقام:
فاجعة طهطا "سوهاج – مارس 2021" تصادم مروع لقطارين نتيجة خلل في الإشارات والتواصل، خلف رسمياً 20 ضــحــيــة وأكثر من 185 مصاباً، "هل دمــاء هؤلاء لا تساوي 5 ملايين يورو لكي تُصنف كحادث جسيم؟"
كــارثــة طوخ "القليوبية – أبريل 2021": خروج قطار عن القضبان وانقلاب عرباته بالركاب، النتيجة الكــارثــيــة: 23 حالة وفــاة و139 مصاباً، في فــشــل ذريع لصيانة الخطوط.
قطار قليوب "مارس 2023": اصطدام قطار بالحاجز الخرساني في نهاية المحطة، النتيجة: 4 وفــيــات و23 مصاباً، وتم إغلاق الملف كالمعتاد بتحميل المسؤولية للسائق.
تصادم الزقازيق "سبتمبر 2024" اصطدام قطاري ركاب وجهاً لوجه داخل المحطة وسط المدينة، النتيجة: 4 وفــيـات ونحو 49 مصاباً، وهو دليل قاطع على انهيار أنظمة التحكم الإلكترونية التي أنفق النــظــام المليارات لتطويرها نظرياً فقط.
سقوط قطار المنيا "أكتوبر 2024" اصطدام جرار من الخلف بقطار نوم، مما أدى لسقوط العربات في ترعة الإبراهيمية. أسفر عن حالة وفــاة و22 مصاباً، فضلاً عن الصورة المهينة لانهيار منظومة السلامة بالكامل.
مفرمة المزلقانات والتقاطعات المنسية: مئات الحوادث سنوياً لاصطدام قطارات بسيارات ميكروباص ونقل "مثل حوادث فاقوس وحلوان وغيرها"، تُستبعد تماماً من إحصائيات "الحوادث الجسيمة" وتُقيد كأخطاء "سائقي السيارات"، لتلميع أرقام الوزارة وإخفاء فــشــل خطط تطوير المزلقانات.
النــظــام الذي يرهن اقتصاد البلد بقروض مليارية بحثاً عن "اللقطة" وصفقات الـ VIP، يتعامل مع دم المواطن كـ "هالك مجاني" على القضبان، ثم وبكل بجاحه يخبره أن موته لا يرقى لمرتبة الكــارثــة ببساطة لأن حياته أرخص من فاتورة قطع الغيار باليورو.
في يوم 27 فبراير 2019، تم إسناد وزارة النقل إلى كامل الوزير، الذي جاء عقب حادثة قطار محطة مصر، عندما اصطدم جرار القطار بالحاجز الخرساني لمحطة رمسيس، متسببا في حدوث انفجار وحريق كبير أودى بحياة 21 وإصابة 52 آخرين.
وقتها تمت الإطاحة بوزير النقل هشام عرفات، وجاء الوزير مكانه وسط ترويج من أذرع إعلام السيسي بأن مشاكل قطاع النقل في مصر لن يقدر عليها إلا رجل عسكري على شاكلة الوزير، الذي وعده السيسي آنذاك بتقديم كل ما يحتاجه المرفق من دعم.
لكن وكما توقع الكثيرون، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات استلم خلالها كامل قطاع النقل وتوفرت له ميزانية ضخمة لم تتح لوزير من قبله، لم يتوقف بعد نزيف المصريين على الطرق خاصة قضبان قطارات السكك الحديدية.
فشل مستمر
في 26 مارس 2021، كانت حادثة اصطدام قطاري سوهاج بصعيد مصر، التي راح ضحيتها 32 شخصا حسب ما أعلنته وزارة الصحة، بينما قال شهود عيان من موقع الحادث إن عدد القتلى يتجاوز 490 مواطنا.
الواقعة تعد من أفدح حوادث القطارات في السنوات الأخيرة، وأكثرها مأساوية خلال ولاية الوزير، ومع ذلك لم تكن هذه أول الحوادث بل جاءت ضمن سلسلة طويلة من الإخفاقات والحوادث المتكررة خلال خمسة أعوام من الإدارة العسكرية للوزارة المدنية.
في أبريل 2020، انحرف القطار المتجه من محافظة كفر الشيخ إلى مدينة "بيلا" عن مساره عند قرية "أبو تمادة"، ما تسبب في وقوع عشرات الإصابات، والاستدلال على غياب منظومة أمان حقيقية.
بعدها في سبتمبر اندلع حريق كبير في أحد القطارات بمحطة قطار المنيا، كاد أن يودي بحياة المئات.
في 4 أبريل 2019، تداول ناشطون مقطعا مصورا لكامل الوزير أثناء جولة تفقدية له في إحدى محطات القطارات، وهو يلقي تعليمات مباشرة إلى "الكمسري" قائلا: "لو بتسيب الناس تزوغ "لا تدفع ثمن التذكرة" يبقى أمشيك "تهديد بالفصل" وأوفر مرتبك".
الوزير تحدث مع العاملين في "هيئة سكك حديد مصر"، وحثهم على ضرورة تحصيل التذاكر من الركاب، وفي نفس الوقت يقول: "بعد أن يزيد الإيراد "المحصلات" نقعد نقسم الغنائم، لكن لن نقسم الغنائم ونحن خسرانين"
.وفي 22 أكتوبر 2019، أثار كامل الوزير، غضبا كبيرا واسعا، عندما رفض طلب سيدة بتخفيض ثمن تذكرتها نظرا لكونها مرافقة فقط لابنها المصاب بمرض التوحد.
رفض الوزير بشكل قاطع تقديم أي مساعدة للمواطنة المصرية، قائلا: "الإعفاء يشمل ابنها فقط، وعليها دفع ثمن التذكرة كاملا، كأي مواطن".
وشدد الوزير في حديثه للسيدة إلى أن "عدم امتلاكها ثمن التذكرة، يعني عدم قدرتها على الركوب مجانا، وبالتالي عليها عدم الطلب من أي جهة تخفيض ثمن التذكرة أو إعفائها منها".
بعدها جاءت واقعة مقتل الشاب محمد عيد في 30 أكتوبر 2019، بعد أن قفز مع زميل له من قطار مسرع في مصر، بناء على طلب من مشرف القطار، لأنهما لا يملكان ثمن التذكرة، من أكثر الحوادث مأساوية ودلالة على غياب البعد الإنساني الكامل عن إدارة تلك المؤسسة.
إخفاقات متكررة
تلك العقلية العسكرية لكامل الوزير، تدير واحدة من أعقد الوزارات وأكثرها احتكاكا بالمواطنين من جميع الفئات والطوائف والأعمار، إضافة إلى أنها "تقل 360 مليون راكب بواقع مليون راكب يوميا، كما تنقل 6 ملايين طن بضائع في العام"
.يبلغ طول سكة الحديد في مصر نحو 9 آلاف و570 كم، وتسيير قطارات السكة الحديد 920 رحلة يوميا، على جميع الخطوط بين الوجهين القبلي والبحري".
تلك الإخفاقات المتكررة دفعت حتى بعض الصحف التابعة للنظام وأجهزة المخابرات لمهاجمة كامل الوزير، مثلما فعلت اليوم السابع، في 15 نوفمبر 2020، عندما نشرت تقريرا بعنوان: "لماذا أخفق وزير النقل في إنجاز خطة تحديث إشارات خطوط السكة الحديدية؟".
وقالت الصحيفة: "رغم مركزية كامل الوزير وزير النقل في إدارة قطاعات الوزارة وعلى رأسها مرفق هيئة السكة الحديدية وتدخله في إدارة ومتابعة كافة الإدارات بكل قطاع من قطاعات الوزارة، إلا أن هناك ملفات في بعض القطاعات لم تحقق النجاح الذي كان ينتظره الكثير في أعقاب توليه المسؤولية".
وأضافت: "على رأس الملفات التي لم ينجح فيها الوزير وشهدت إخفاقا كبيرا ملف تحديث إشارات خطوط السكة الحديدية، فالخطة التي شرعت وزارة النقل في تنفيذها منذ أكثر من 5 سنوات كان ينتظر الكثير لإنجازها إلا أنه لم يحقق نجاحا ملموسا فيها لدرجة أنه لا يوجد برنامج زمني محدد لإنجازها".
فوق المساءلة
سقطات الفريق كامل الوزير، دفعت المواطنين للتساؤل عن عدم إقالته أو محاسبته، خاصة أن حادثة سوهاج الأخيرة لم تكن سابقة، بل جاءت في صف طويل من الأزمات.
وذكر الخبير الاقتصادي عبد الغني عبد المطلب، عندما نشر عبر حسابه بموقع فيسبوك قائلا: "فعلا اللي اختشوا ماتوا "وزير النقل: سيتم محاسبة المقصرين والمخطئين في حادث قطاري سوهاج" وأضاف بأن "الوزير واثق بأنه فوق المساءلة".
أما الفنان المصري الساخر جاسر الأنور، كتب: "من فشل حل كارثة قناة السويس، لفشل كارثة تصادم قطارين.. هوا ده كامل الوزير اللي قلت عليه "السيسي" وش القفص وأكفأ ضابط جيش ورقيته لفريق؟.. هي دي الخدمة اللي ضاعفت سعر التذاكر عشان تحسنها؟ هي دي الدولة الثانية اللي وعدت بيها.
بينما كتب المهندس المصري أحمد الشوربجي عبر "فيسبوك" قائلا: "بصفتي اشتغلت فترة مهندس تحكم في مترو الأنفاق مش قادر حتى الآن أصدق أن وزير نقل طالع يقول أنا اللي طلبت إيقاف العمل بالـ ATC عشان نوفر وقت" أقسم بالله هذا إنسان يحتاج العلاج في مستشفى أمراض عقلية".
وأضاف: "التحكم أوتوماتيك في القطار اللي بيصمم نظام التحكم دا بيمنع حدوث مثل هذه الحوادث، إلا أن يقوم أحد الأشخاص متعمدا بإيقاف التحكم الأوتوماتيكي".
"سيسي" مصغر
الباحث السياسي المصري "محمد ماهر" وصف وزير النقل الفريق كامل الوزير بأنه "رئيس مصغر" وقال لـ صحيفة "الاستقلال": "هذا هو الحكم العسكري، إذ يخلق الديكتاتور الأعظم مجموعة من النماذج المشابهة له داخل كل مؤسسات ومفاصل الدولة، وما كامل الوزير إلا عبد الفتاح السيسي، وكلاهما خرج من بوتقة واحدة".
وأضاف: "بتحليل بسيط لمشهد تفاعل كامل الوزير مع حادثة قطار سوهاج، ستجد أنه يتكلم بنفس مفردات السيسي، والأغرب أنه يتحدث عن محاسبة المسؤولين والمقصرين، وكأنه غير ضالع في الكارثة".
وتابع: "ولو فعلها وزير مدني لعلقت له المشانق، وأطيح به من منصبه على الفور، لكن الرجل العسكري يتحدث من موقع قوة وهيمنة غير مفهومة في قطاع من القطاعات المدنية التي تعاني من سوء إدارة وقلة خدمات وارتفاع باهظ للأسعار".
وأردف الباحث المصري: "تعاطي كامل الوزير مع حوادث القطارات ومع أزمات قطاع النقل، يدلل على غياب دور الأجهزة الرقابية والبرلمان، فهل يمكن تصديق أن البرلمان المصري لم يقدم الاستجواب والمساءلة لكامل الوزير بخصوص حادثة القطار؟