إقرار حكومة الانقلاب حزمة حماية اجتماعية يمثل اعترافا واضحا بانهيار الاقتصاد المصرى وارتفاع معدلات الفقر داخل المجتمع، حيث ترفض الحكومة الإعلان عن معدلاته الحقيقية خوفا من ثورة المصريين.
وعلى مر العصور، يُطالب الفقراء فى مصر دائما بشد الحزام والتقشف فى انتظار الأمل، ومهما تقشفوا فهم مطالبون بإثبات تحملهم العجز عن الحصول على متطلبات الحياة المعيشية، وذلك على وقع تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار من نحو 7 جنيهات فى 2014 إلى تجاوزه حاجز الـ50 جنيهاً فى التعاملات الرسمية حاليا .
يُشار إلى أنه على مدى السنوات العشر الماضية – ومنذ بدأت حكومة الانقلاب ما يسمى برنامج الإصلاح الهيكلى مع صندوق النقد الدولى فى أكتوبر 2016- ازداد الفقراء فقرا وتآكلت الطبقة الوسطى لينزلق كثير من أفرادها إلى هوة الفقر، الذى تمدد جغرافيا كثعبان فوق الرمل، ويأتى الصعيد فى المرتبة الأولى ويليه ريف الوجه البحرى، ثم مناطق الحضر فى الوجه القبلى والدلتا.
البنك الدولى
فى هذا السياق كشفت تقديرات البنك الدولى فى عام 2022 أن نسبة الفقراء تتجاوز 32٪ من عدد السكان الإجمالى، قبل موجة التضخم الكبرى فى 2023، بينما تشير التقديرات الحالية إلى أن نسبة الفقراء لا تقل عن 35٪، وذلك مقارنة بنسبة 29.7% فى عام 2020 من إجمالى السكان.
وبلغ حد الفقر الوطنى للأسرة، المُحدَّث حسب التضخم، 7180 جنيهًا شهريًا، بينما بلغ حد الفقر المدقع، وهو القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية لأسرة من أربعة أفراد، 5962 جنيهًا، محدثًا لتضخم الغذاء، وبالتالى، فعلى الرغم من رفع الحد الأدنى إلى 7 آلاف جنيه فإنه يظل غير قادر على ملاحقة خط الفقر.
وتمثل الضرائب عبئًا متزايدًا على العمال، كما أن الديون تلتهم ناتج عمل المواطنين، ونصيب الطبقات الشعبية من الناتج القومى يتآكل بصورة متزايدة، فى ظل الغاء دعم الوقود والكهرباء وتقليص دعم السلع الغذائية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة حياة المصريين، كما أن نظام التأمين الصحى الشامل أثار تذمرًا واسعًا بين العمال والموظفين بسبب ارتفاع الرسوم والاشتراكات مقارنة بمستوى الخدمات المقدمة، لدرجة أن بعضهم طالب بالخروج من المنظومة الطبية.
الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى
ورغم ذلك، فإن أرقام الفقر فى مصر لا تزال مختلفاً عليها منذ عام 2019، حين أصدر الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تقريره عن معدل الفقر، وأشار إلى أنه بلغ 29.7%، لكن تحليل البنك الدولى لبيانات «الإحصاء» أشار إلى أن نحو ربع المصريين كانوا فى عام 2019 ضمن فئة «الهشاشة الاقتصادية»، أى فوق خط الفقر مباشرة، ومعرضين للسقوط تحته مع أى صدمة.. ومنذ ذلك الحين شهد الاقتصاد المصرى زلازل عدة فى القيمة السعرية للجنيه المصرى، وليس صدمة واحدة.
على مدار عشر سنوات، لم يعد الفقر مجرد ضعف فى الدخول، بل تحول إلى قضية تهدد الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى، حيث ارتفعت ديون الأسر إلى نحو 28.2 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من عام 2025، بعد تعويم الجنيه بنسبة تقارب 35% منذ مارس 2024، ما دفع الأسر إلى الاعتماد على الاقتراض لتلبية احتياجاتها الأساسية.
ديون الأسر المصرية
ووفق بيانات معهد التمويل الدولى (IIF)، ارتفعت ديون الأسر المصرية إلى نحو 28.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة قدرها 1.5 تريليون جنيه منذ تعويم مارس 2024، تُستخدم فى تمويل الغذاء والاستهلاك اليومى وسداد التزامات المعيشة وتغطية فجوات الدخل الناتجة عن التضخم.
وكشف تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، أن 21.2% من المصريين فقراء متعددو الأبعاد، إذ يعانى 65.4% من حرمان من العمل اللائق والتأمينات الاجتماعية، و48.8% من ضعف الأمن الغذائى، مع انتشار الفقر فى الريف بنسبة 28% مقابل 11.9% فى الحضر، نتيجة حرمان لا يرتبط بالدخل فقط، بل بعدم وصول الخدمات والفرص الاقتصادية إلى ملايين الأسر، وعلى رأسها خدمات الصرف الصحى والإنترنت.
حزمة استثنائية
هذا الواقع الأليم أجبر حكومة الانقلاب مع بداية العام 2026، ومع تزايد أعداد المصريين الذين ، يعيشون تحت خط الفقر، على الإعلان عن تطبيق حزمة اجتماعية استثنائية تزامناً مع حلول شهر رمضان، وحتى نهاية العام المالى الحالى فى 30 يونيو 2026، بقيمة إجمالية تتجاوز 40 مليار جنيه.
وقالت حكومة الانقلاب ان حزمة الحماية الاجتماعية، عبارة عن مخصصات إضافية لتحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر فقراً والأقل دخلاً، مشيرة إلى أن عدد الأسر المستفيدة من الحزمة يصل إلى نحو 15 مليون أسرة.
وأوضحت أن الحزمة شملت تخصيص مبلغ 400 جنيه لمدة شهرين، دعماً نقدياً إضافياً للأسر الأكثر فقراً خلال الشهر الكريم وعيد الفطر المبارك، لشراء السلع الأساسية من منافذ وزارة تموين الانقلاب على بطاقات الدعم التموينية، بتكلفة تقديرية تبلغ ثمانية مليارات جنيه.
وأشارت حكومة الانقلاب إلى أن عدد المستفيدين من الدعم يبلغ 10 ملايين أسرة فقيرة تضم حوالى 25 مليون شخص، بالإضافة إلى خمسة ملايين أسرة مسجلة فى برنامج «تكافل وكرامة» بالقيمة نفسها (800 جنيه على شهرين)، وبقيمة 300 جنيه لمدة شهرين للرائدات الريفيات، وفق بيانات هيئة الرقابة الإدارية.
علاج على نفقة الدولة
وفيما يخص قطاع الصحة، فإنه سيشمل مبلغاً إضافياً للعلاج على نفقة الدولة بقيمة ثلاثة مليارات جنيه، ومثلها للقضاء على قوائم الانتظار الخاصة بالتدخلات الجراحية الحرجة، إلى جانب ثلاثة مليارات أخرى لتبكير موعد دخول محافظة المنيا فى منظومة التأمين الصحى الشامل بحلول إبريل المقبل.
ويشمل المحور الثالث دعم الفلاح بإضافة مبلغ أربعة مليارات جنيه لتغطية فروق أسعار توريد القمح من المزارعين ، بعد الزيادة الأخيرة فى سعر توريد الإردب مع اقتراب موسم الحصاد، فى الفترة من إبريل إلى يونيو من العام الحالى.
بينما تضمن المحور الرابع إضافة مبلغ 15 مليار جنيه للانتهاء من مشروعات المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة» لتطوير قرى الريف، وإنجاز مشاريع قطاع مياه الشرب والصرف الصحى.
أما بند الرواتب، فقد أقرت حكومة الانقلاب زيادة «غير اعتيادية» على أجور العاملين فى جهاز الدولة، عند إعداد مشروع موازنة العام المالى الجديد (2026-2027)، مع إعطاء أولوية قصوى لتحسين رواتب المعلمين والعاملين فى قطاع الصحة.
كما أقرت حكومة الانقلاب زيادة معاشات الأسر الفقيرة، المدرجة فى برنامج الضمان الاجتماعى «تكافل وكرامة»، إلى 1032 جنيهاً شهرياً من 826 جنيهاً، ومن 743 جنيهاً إلى 928 جنيهاً للمسنين والأشخاص من ذوى الإعاقة، ومن 578 جنيهاً إلى 722 جنيهاً للأيتام.
ورغم هذه الزيادات إلا أن المحصلة النهائية تشير إلى تزايد أعداد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر وأن ما تُعلن عنه حكومة الانقلاب من حزم حماية اجتماعية لا يتجاوز الشو الإعلامى بينما يعيش الملايين على حافة الموت بسبب الفقر .