فوجئ المتابعون بإلغاء زيارة رئيس الحكومة المغربية للقاهرة، بعدما أفادت تقارير إعلامية مغربية بتأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين مصر والمغرب، والذي كان مقررًا عقده في فبراير 2026 بالقاهرة برئاسة رئيسي الحكومتين، وذلك إلى أجل غير مسمى.
ووفقًا لما نشرته مواقع إخبارية في الرباط، فإن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أبلغ نظيره المغربي ناصر بوريطة بقرار الإرجاء، دون صدور بيان رسمي مشترك يوضح الأسباب المباشرة لهذا القرار حتى الآن.
وفي ظل غياب بيان رسمي يفسر التأجيل، تداولت بعض وسائل الإعلام المغربية تحليلات تحدثت عن وجود خلافات سياسية واقتصادية غير معلنة بين البلدين، خاصة فيما يتعلق ببعض الملفات التجارية وتبادل السلع، إلى جانب تباينات محتملة في بعض القضايا الإقليمية، غير أن هذه الطروحات جاءت في سياق اجتهادات إعلامية، ولم تصدر بشأنها أي تأكيدات رسمية من القاهرة أو الرباط.
وكان من المقرر أن يجري رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش زيارة رسمية إلى مصر يومي 10 و11 فبراير 2026، في إطار انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة برئاسة رئيسي حكومتي البلدين، وبمشاركة عدد من الوزراء المعنيين بملفات الاستثمار والاقتصاد والصناعة.
بحسب تصريحات نزار أبو إسماعيل، رئيس مجلس الأعمال المصري المغربي، فإن الزيارة كانت تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والرباط، خاصة في ظل التطلعات إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الجانبين.
وبالمقابل، نشرت وسائل إعلام مغربية، عن وزير خارجية السيسي بدر عبد العاطي هو من أبلغ نظيره المغربي ناصر بوريطة بقرار تأجيل الزيارة، وكذلك تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة، من دون تقديم تفسير رسمي.
ليس من الرباط
وفي البروتوكول الدبلوماسي، عندما يطلب بلدٌ تأجيل استقبال وفد رفيع المستوى دون توضيح الأسباب، فهذا يُقرأ عادةً كإشارة إلى وجود تحفظ سياسي أو برود في العلاقات، أو على الأقل وجود ظرف داخلي أو خارجي دفع الدولة المضيفة إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
وبما أن الزيارة كانت مقررة منذ فترة، ومُهيّأ لها على مستوى حكومي واقتصادي، فإن إرجاءها من القاهرة في هذا التوقيت أثار تساؤلات واسعة.
ولا توجد أي تصريحات رسمية تربط بين الأمرين، لكن توقيت التأجيل—الذي جاء بعد تصريحات تبون التي أغضبت الرباط—جعل كثيراً من المحللين يربطون بين الحدثين، خاصة مع ملاحظة: تقارب مصري–جزائري في بعض الملفات مؤخراً وحساسية المغرب تجاه أي موقف غير واضح من شركائه حول قضية الصحراء.
بوادر توتر دبلوماسي
وعن أثر تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على المزاج السياسي بين الرباط والقاهرة، استعرضت تقارير أنه بين تصريحات الرئيس الجزائري وبين التوتر الدبلوماسي، وكيف تلقى الرأي العام المغربي هذا الصمت المصري.
وتحدث تبون بشكل متكرر عن “حق تقرير المصير” في الصحراء المغربية، وتأكيده أن الجزائر “لن تتخلى عن دعم الشعب الصحراوي”، ورغم أن هذا الموقف ليس جديداً، فإن توقيته جاء في لحظة حساسة بالنسبة للمغرب، الذي كان ينتظر من شركائه العرب—ومنهم مصر—مواقف أكثر وضوحاً تجاه مبادرته للحكم الذاتي.
وقُرئت تصريحات تبون في الرباط كتصعيد سياسي، خصوصاً عندما تحدث عن “ضرورة إنهاء آخر استعمار في إفريقيا”، وهي عبارة تعتبرها الدبلوماسية المغربية استفزازية.
واعتبرت وسائل إعلام مغربية أن تصريحات تبون؛ استفزازية وتمسّ قضايا حساسة بالنسبة للرباط، وعلى رأسها ملف الصحراء. ورغم أن القاهرة لم تُصدر موقفاً رسمياً يؤيد تلك التصريحات، فإن مراقبين مغاربة رأوا أن صمت مصر أو عدم توضيح موقفها قد يكون أحد العوامل التي دفعت الرباط إلى إعادة تقييم مستوى التنسيق السياسي في هذه المرحلة.
وفي المقابل، اعتبر محللون مصريون أن الربط بين تأجيل الزيارة وتصريحات الرئيس الجزائري يبقى مجرد قراءة إعلامية، وأن القاهرة حريصة على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
في غياب تفسير رسمي، بدأت التحليلات تتحدث عن وجود تباينات أعمق بين البلدين، بعضها اقتصادي يتعلق بملفات تجارية عالقة، وبعضها سياسي يرتبط بتوازنات إقليمية معقدة. فالمغرب يرى أن مواقفه من القضايا العربية والإفريقية تحتاج إلى دعم واضح من شركائه، بينما تسعى مصر إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع الجزائر، خصوصاً في ظل تعاون أمني واقتصادي متزايد بين القاهرة والجزائر خلال السنوات الأخيرة. هذا التباين في أولويات السياسة الخارجية قد يكون ساهم في خلق حالة من البرود الدبلوماسي.
ردود الفعل في المغرب حملت قدراً من الاستياء، إذ اعتبر بعض المعلقين أن تأجيل الزيارة في هذا التوقيت يحمل رسالة سياسية غير مباشرة، بينما دعا آخرون إلى عدم تضخيم الأمر وانتظار توضيحات رسمية، أما في مصر، فركزت التعليقات على أن العلاقات بين البلدين تاريخية ولا يمكن أن تتأثر بتصريحات طرف ثالث، وأن التأجيل قد يكون مرتبطاً بترتيبات تقنية أو أجندات حكومية مزدحمة، وليس بخلافات سياسية.
الهدوء الحذر
من جهة أخرى، يرى محللون أن العلاقات المغربية المصرية لطالما اتسمت بالهدوء الحذر، وأنها تتأثر أحياناً بتقلبات المشهد الإقليمي، خصوصاً في شمال إفريقيا، حيث تتداخل مصالح المغرب والجزائر ومصر بطرق معقدة، ويعتقد بعض الخبراء أن القاهرة تحاول الحفاظ على مسافة متوازنة بين الرباط والجزائر، بينما تنتظر الرباط مواقف أكثر وضوحاً من شركائها العرب تجاه ملف الصحراء، وهو ما يخلق أحياناً فجوات في التوقعات.
ورغم كل هذه القراءات، لا توجد مؤشرات على قطيعة أو أزمة مفتوحة، بل يبدو أن الأمر يتعلق بمرحلة برود دبلوماسي قد تُعالج عبر قنوات التواصل المعتادة، فالعلاقات بين البلدين تستند إلى مصالح اقتصادية وسياسية لا يمكن التفريط فيها بسهولة، كما أن الطرفين يدركان أن أي توتر غير محسوب قد ينعكس سلباً على التعاون الإقليمي في ملفات حساسة.
عضوية مجلس السلم والأمن الافريقي
ويبدو أن انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي بأغلبية الثلثين يحمل دلالات سياسية واضحة، خصوصاً في سياق التوتر الدبلوماسي بين الرباط والقاهرة، حيث يمثل فوز المغرب بمقعد داخل المجلس الإفريقي اعترافاً واسعاً بدوره داخل القارة، إذ حصل على 34 صوتاً من أصل 54، أي أكثر من ثلثي الدول الأعضاء، وهو ما يعكس دعماً سياسياً قوياً من العواصم الإفريقية لخياراته الدبلوماسية، هذا الفوز لا يقتصر على كونه نجاحاً انتخابياً تقنياً، بل هو مؤشر على أن الرباط استطاعت بناء شبكة تحالفات مؤثرة داخل الاتحاد الإفريقي منذ عودتها إليه عام 2017.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأنه يأتي في لحظة حساسة تشهد فيها العلاقات المغربية المصرية حالة برود واضحة، فبينما أرجأت القاهرة زيارة رئيس الحكومة المغربية دون تفسير رسمي، جاء انتخاب المغرب ليعزز موقعه داخل أهم جهاز أمني في القارة، وهو ما يضعه في موقع تفاوضي أقوى داخل الملفات الإقليمية التي يتقاطع فيها نفوذ البلدين، سواء في شمال إفريقيا أو في الساحل والصحراء، هذا التزامن جعل مراقبين يرون أن الرباط ترسل رسالة غير مباشرة بأنها تحظى بدعم إفريقي واسع، وأن أي فتور ثنائي لن يحد من حضورها القاري.
كما أن عضوية مجلس السلم والأمن تمنح المغرب منصة مؤثرة في القضايا التي تشكل محور تنافس دبلوماسي بينه وبين الجزائر، خصوصاً ملف الصحراء، وفي ظل التقارب المصري الجزائري في بعض الملفات خلال السنوات الأخيرة، قد يُقرأ هذا الفوز على أنه تعزيز لموقع المغرب داخل مؤسسة إفريقية لطالما سعت الجزائر إلى التأثير فيها، وبالتالي، فإن انتخاب الرباط بأغلبية مريحة قد يخلق توازناً جديداً داخل الاتحاد الإفريقي، ويعيد ترتيب مواقف بعض الدول تجاه القضايا الخلافية.
من جهة أخرى، لا يُتوقع أن يؤدي هذا التطور إلى قطيعة بين القاهرة والرباط، لكنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد، فمصر، التي تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجزائر والمغرب معاً، تجد نفسها أمام واقع جديد يتمثل في صعود نفوذ المغرب داخل جهاز أمني إفريقي مهم. وقد يدفع ذلك القاهرة إلى إعادة حساباتها الدبلوماسية، خصوصاً إذا شعرت بأن الرباط تستخدم هذا الموقع لتعزيز مواقفها في الملفات الإقليمية.
في المحصلة، انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن لا يرتبط مباشرة بالأزمة مع مصر، لكنه يحمل دلالات سياسية تعزز موقع الرباط في لحظة تشهد فيها العلاقات الثنائية توتراً صامتاً، وهو تطور قد يساهم في إعادة رسم موازين القوى داخل شمال إفريقيا والاتحاد الإفريقي على حد سواء.
كرة القدم
لم يصدر أي تصريح رسمي من مصر أو المغرب يشير إلى أن كأس إفريقيا كان سبباً في تأجيل الزيارة، كما أن البروتوكول الدبلوماسي لا يربط عادةً زيارات رؤساء الحكومات بفعاليات رياضية، حتى لو كانت بطولة قارية مهمة.
وأشار بعض المحللين إلى احتمال وجود مناخ عام من الحساسية بسبب التوترات الرياضية بين الجماهير، خصوصاً بعد مباريات شهدت توتراً بين مشجعين مغاربة وجزائريين أو مصريين، لكن هذا يبقى في إطار التحليل الشعبي وليس الدبلوماسي.
