أعاد نشطاء ومهتمون على مواقع التواصل الاجتماعي تأصيلا من السفير والأديب السوري الراحل عمر بهاء الدين الأميري، الذي كتب مقالا يوضح أن العداء الأمريكي للإخوان المسلمين ينبع من إدراك واشنطن لخطورة مشروعهم الحضاري الإسلامي على النظام العالمي الغربي، وأن هذا العداء اتخذ منذ الخمسينيات شكل اتفاقات سرية وسياسات تشويه إعلامي، وليس مجرد خلاف سياسي عابر.
وكشف المقال الذي كتبه "الأميري" عن دلالات عميقة تتعلق بجذور العداء الأمريكي للإخوان المسلمين، ويضعها في سياق سياسي وتاريخي حساس.
الأميري، وهو سفير سوريا في السعودية عام 1954، يروي تفاصيل وساطات عربية لدى جمال عبد الناصر لوقف أحكام الإعدام بحق قيادات الإخوان، لكنها باءت بالفشل، ثم ينقل حواراً مع السفير الأمريكي في الرياض الذي أفصح عن وجود اتفاق سري بين واشنطن وعبد الناصر يتضمن بندين أساسيين: تجميد القضية الفلسطينية لعشر سنوات، وإيقاف نشاط الإخوان المسلمين، هذا الحوار يكشف أن المسألة لم تكن مجرد خلاف داخلي مصري، بل جزء من استراتيجية أمريكية أوسع.
الدلالة الأولى التي يبرزها المقال هي أن الولايات المتحدة لم تكن تنظر إلى الإخوان كجمعية خيرية أو حركة اجتماعية، بل كقوة فكرية وتنظيمية تهدد الحضارة الغربية القائمة، السفير الأمريكي وصفهم بأنهم "أخطر مؤسسة موجودة في العالم اليوم"، لأنهم يربون الأجيال على الإسلام ويستهدفون الوصول إلى الحكم بعقلية عمر بن الخطاب، أي بعقلية العدل والصرامة في تطبيق الشريعة، هذا التصور يعكس خوفاً أمريكياً من مشروع حضاري بديل قد ينافس النموذج الغربي ويعيد فكرة الخلافة الإسلامية ووحدة الأمة.
الدلالة الثانية هي أن العداء لم يكن بسبب أعمال عنف أو تهديد مباشر للمصالح الأمريكية، بل بسبب البعد الفكري والتربوي للحركة، المدارس والمستوصفات ومراكز محو الأمية التي أنشأها الإخوان لم تكن في نظر واشنطن سوى أدوات لكسب القلوب وتوسيع النفوذ، وصولاً إلى بناء قاعدة شعبية قادرة على تغيير النظام السياسي والاجتماعي، هذا يوضح أن الصراع كان صراعاً على الهوية والمرجعية الحضارية أكثر منه صراعاً أمنياً أو عسكرياً.
أما الدلالة الثالثة فهي أن الولايات المتحدة سعت منذ ذلك الوقت إلى تشويه صورة الإخوان في العالم، حتى ينفض الناس من حولهم، المقال يلمح إلى أن هذا التشويه لم يكن مجرد دعاية، بل جزء من سياسة ممنهجة لإضعاف أي مشروع إسلامي جامع. الأميري نفسه أدرك خطورة هذه المعلومات فكتبها في تقرير رسمي للخارجية السورية، ما يعكس وعيه بأن ما سمعه ليس مجرد رأي شخصي، بل سياسة دولية مرسومة.
https://x.com/YahyaGhoniem/status/2017616579463430216
ثلاث دلالات
وسلط مقال الكاتب اليمني نور الدين مهري الضوء على دلالات جوهرية تتعلق بمكانة الإخوان المسلمين في العالم العربي، وكيفية تعامل الأنظمة والغرب معهم، أولى هذه الدلالات أن الإخوان يمثلون تياراً اجتماعياً وسياسياً واسع القاعدة، أثبت عبر عقود أنه يحترم العملية الديمقراطية وصندوق الانتخابات، ويقبل تداول السلطة، ويملك مشروعاً فكرياً متماسكاً. هذه السمات تجعلهم في نظر الكاتب التيار الأكثر انضباطاً وسلمية في مواجهة الاستبداد، وهو ما يثير خوف الأنظمة العربية التي ترى فيهم تهديداً لبقائها.
الدلالة الثانية تكمن في أن محاولات تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية لا تعكس حقيقتهم، بل تكشف حجم الذعر منهم، فالغرب، كما يشير الكاتب، كان يدرك أن جماعة لم تحمل السلاح ولم تطلق رصاصة بعد عدة انقلابات لا يمكن أن تُصنّف إرهابية إلا بقرار سياسي مسيّس، هذا يوضح أن الاتهامات الموجهة لهم ليست مبنية على وقائع، بل على مصالح الأنظمة التي تسعى لإقصائهم وتشويه صورتهم.
الدلالة الثالثة أن هذا التصنيف قد ينقلب لصالح الإخوان، إذ يفضح ظلم الأنظمة ويكشف للعالم أن الخوف منهم ليس بسبب العنف، بل بسبب مشروعهم الفكري الذي يهدد الفساد والاستبداد والاحتلال، الكاتب يرى أن الظلم حين يُمارس ضد طرف مظلوم يمنحه شهادة صدق، ويزيل عنه سنوات من التشويه والتزوير.
وأخيراً، يبرز المقال أن الحملات الإعلامية الممولة لتشويه الإخوان ستسقط أمام وعي الشعوب، وأن الأموال والجهود التي بذلتها الأنظمة ستتحول إلى حسرة، كما عبر القرآن الكريم، بذلك، يقدم المقال رؤية تؤكد أن الإخوان ليسوا خطراً أمنياً، بل خطراً على الأنظمة الفاسدة، وأن محاولات شيطنتهم ستنتهي بانتصار الحقيقة أمام وعي الجماهير.
خريطة ترامبو
وركز الأكاديمي د.رضوان جاب الله على شرح "خريطة نترامبو" و7 أسباب استراتيجية دفعت إدارة ترامب نحو تصنيف الإخوان المسلمين، ذات أبعاد سياسية وأمنية عميقة،
أولاً، التصنيف يخدم الاحتلال الصهيوني عبر إضعاف الأصوات الداعمة للقضية الفلسطينية في دول الطوق مثل مصر والأردن ولبنان، مما يمنح غطاءً رسمياً لتهميش أي دعم للشعب الفلسطيني.
ثانياً، الجماعة شكلت عقبة أمام مخطط تفكيك السودان، إذ ساهمت في تعزيز موقف الجيش والمتطوعين ضد مليشيات مدعومة غربياً، ما قلب المعادلة العسكرية هناك. ثالثاً، المشروع الأمريكي لتغيير خرائط سايكس بيكو عبر "خريطة نترامبو" كان يستهدف إنشاء كنتونات سياسية في سيناء والسويداء وجنوب لبنان، لكن وجود الإخوان كقوة توعية شعبية شكل عائقاً أمام هذا المخطط.
رابعاً، الإخوان تصدوا لمحاولات تمييع الهوية الإسلامية عبر مشاريع مثل "ديانة إبراهام" وإحياء العصبيات، حيث نشروا مفاهيم تعزز وحدة الأمة.
خامساً، رغم إيمانهم بفكرة الأمة الواحدة، فإنهم يتمسكون بحدود الدول الوطنية باعتبارها أساساً لتماسك الأمة، وهو ما ظهر في الربيع العربي حين منع وجودهم انزلاق بعض الدول إلى حروب أهلية.
سادساً، الجماعة تمثل رافعة علمية وثقافية لأي نظام يسعى للاستقلال النسبي عن الهيمنة الغربية، كما في تركيا وماليزيا وباكستان، ما يشكل تحدياً للمشاريع الغربية.
سابعاً، في الغرب، أثار حضور الإخوان الأخلاقي والسياسي قلقاً لدى التيارات الصهيونية والمسيحية المتطرفة، إذ برزت شخصيات مسلمة ملهمة في المجتمعات الأوروبية، ما دفع إلى حملات تخويف مرتبطة بفكرة الخلافة.
أما السبب التكتيكي المباشر فكان إرضاء نتنياهو وحلفائه، إلى جانب كسب دعم اليمين المسيحي المتطرف داخل الولايات المتحدة، بما يضمن لترامب قاعدة انتخابية صلبة، هكذا يظهر المقال أن التصنيف لم يكن قراراً أمنياً بقدر ما كان جزءاً من مشروع استراتيجي لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح الاحتلال والهيمنة الغربية.
وفي مقال آخر أضاف "جاب الله" إلى أبعاد موجودة في عداء الولايات المتحدة للإخوان ومنها؛ الدور المباشر لنيتنياهو في صياغة قرار ترامب، حيث قدّم ملفاً ضخماً مدعوماً بوثائق وتقارير من أجهزة عربية، وهو ما يختلف عن تحليل رضوان جاب الله الذي ركّز على البعد الاستراتيجي الأمريكي العام، هنا يظهر البعد الشخصي والسياسي لنيتنياهو كـ"وكيل ترامب الأول في المنطقة".
وأبرز "جاب الله" تناقض الإعلام العربي الذي كان قبل فترة قصيرة يصف نيتنياهو بأنه "مرشد للإخوان"، ثم انقلب فجأة ليحتفي به كعدوهم المكين. هذا التناقض الإعلامي لم يُذكر في مقال جاب الله، وهو دلالة على فقدان المصداقية وتلاعب الخطاب الإعلامي.
وأوضح أن التصنيف لن يضيف جديداً على واقع القمع، لكنه سيُستغل لتوسيع دائرة الظلم بحيث يُقدَّم كل المعارضين ـ إخواناً وغير إخوان ـ قرابين للسلطة. هذا البعد الاجتماعي ـ أي اتساع دائرة المظلومين ـ لم يكن محوراً في مقال جاب الله الذي ركّز أكثر على الخرائط والمشاريع الاستراتيجية.
واستحضر البعد التاريخي والسنني عبر مقارنة موقف ترامب ونيتنياهو بموقف هرقل في مواجهة الدعوة الإسلامية، ليؤكد أن الظلم لا يدوم وأن التمكين سيكون للمستضعفين، موفرا الربط بالسنن التاريخية والقرآنية.
