أثار قرار وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب، بإدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية في المدارس انتقادات الخبراء، مؤكدين عدم جاهزية البنية العلمية والكوادر المتخصصة والمناهج المطلوبة لهذا النوع من التخصصات الحديثة .
ووصف الخبراء قرار تعليم الانقلاب بالمتسرع، مشددين على أن تدريس الذكاء الاصطناعى يتطلب تجهيز كوادر مؤهلة، قبل التفكير في تدريسه على مستوى المدارس أو الجامعات.
وقالوا إن الذكاء الاصطناعي حتى الآن لا يمكن تدريسه كمناهج شاملة تُخرج طلبة متخصّصين فيه، فهو ليس علمًا مستقلًا بذاته، لكنه يدخل كعامل مساعد داخل تخصصات مختلفة
كانت وزارة تعليم الانقلاب قد أعلنت مؤخرًا عن خطة شاملة لإدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية في المدارس بدءًا من العام الدراسي 2025‑2026.
وزعمت الوزارة، أن هذه الخطوة تهدف إلى رفع مستوى الوعي التكنولوجي وتنمية المهارات الرقمية والتطبيقية لدى الطلاب، بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل المستقبلي والتوجهات العالمية في مجال التعليم الرقمي.
وأشارت الى أن تدريس الذكاء الاصطناعي سيكون مدمجًا في التعليم الفني والمرحلتين الأساسية والثانوية، مع اعتماد برامج تعليمية متخصصة لتأهيل الطلاب تدريجيًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في سياقات عملية، بالإضافة إلى تدريب المعلمين والموجّهين على هذه المهارات لضمان قدرة الكادر التعليمي على نقل المعرفة بشكل فعّال. وفق تعبير الوزارة .
كوادر مؤهلة
في هذا السياق انتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، قرار تدريس الذكاء الاصطناعي في التعليم الفني وإعلان عدد من رؤساء الجامعات عن إدخال تخصص الذكاء الاصطناعي في الجامعات، مؤكدًا أن الأمر يحتاج إلى التمهل والتروي، لأن هذا التخصص لا يزال في بداياته عالميًا ولم يدخل بعد في أغلب جامعات أوروبا وأمريكا.
وقال «نور الدين» فى تصريحات صحفية إنه يشرف على طالب دكتوراه يدرس استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال استصلاح الأراضي ومعالجة مياه المخلفات، موضحًا أنه سافر إلى بعض الجامعات في إيطاليا، وأجرى اتصالات بجامعات ميلانو وروما وباري ونابولي وباليرمو، وكذلك بجامعات مدريد وغرناطة في إسبانيا، بحثًا عن أساتذة متخصصين في الذكاء الاصطناعي للمشاركة في الإشراف على الرسالة، إلا أنه لم يجد أي دكتور متخصص في هذا المجال .
وأشار إلى أن الجميع أجمع على أن التخصص لا يزال في بداياته علميًا، ولم يتخصص فيه أي دارس أو باحث أو أستاذ حتى اليوم متسائلا : كيف سيتم توفير عشرات ومئات المدرسين لتدريس هذا التخصص في المدارس الفنية؟ ومن أين ستأتي الجامعات بعشرات ومئات الأساتذة المتخصصين في الذكاء الاصطناعي للتدريس في أقسام من المقرر افتتاحها بعد 9 أشهر فقط؟ .
وأكد «نور الدين»، أن الجامعات العالمية لم تدخل هذا التخصص بعد لا في مدارسها ولا في جامعاتها، متسائلًا: كيف يمكن إدخاله محليًا بالإمكانات الأقل من أوروبا وأمريكا؟ .
وحذر من أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أفلام كرتون أو محاكاة أو استنساخ سريع، بل علم واسع داخل مختلف التخصصات التطبيقية، مشددًا على أن إدخاله في العلوم المتخصصة يتطلب تجهيز كوادر مؤهلة، وهو ما لا يقل عن عامين إلى أربعة أعوام من الإعداد والتدريب، قبل التفكير في تدريسه على مستوى المدارس أو الجامعات.
وزارة تريندات
قال الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، إن تعليم الانقلاب تندفع وراء التريندات، وكأنها تستهدف رفع شعار «نصنع لكم كل جديد»، بينما حقيقة الأمر تختلف؛ لأن وضع المناهج التعليمية في المدارس له أصول ثابتة لا يجوز تجاوزها.
وأضاف «عبد العزيز»، في تصريحات صحفية : الذكاء الاصطناعي حتى الآن مجرد أداة، ولا يمكن تدريسه كمناهج شاملة تُخرج طلبة متخصّصين فيه، فهو ليس علمًا مستقلًا بذاته، لكنه يدخل كعامل مساعد داخل تخصصات مختلفة.
وتابع: مافيش حاجة اسمها متخصص ذكاء اصطناعي.. ده كلام فارغ، مشددا على أن هذه البرامج تقوم على آليات محددة تُوظَّف لخدمة كل علم، وليست علمًا قائمًا بذاته .
وأشار «عبد العزيز»، إلى أن برامج الذكاء الاصطناعي المعمول بها عالميًا ما زالت تعاني من مشكلات يجري العمل على إصلاحها، موضحًا أن الدور الأساسي لوزارة تعليم الانقلاب في مرحلة ما قبل الجامعة ينبغي أن يقوم على أسس علمية واضحة، بدلًا من طرح أمور جديدة كل يوم لا تستند لقواعد ثابتة.
ولفت إلى إشكاليات تتعلق بالإمكانات اللازمة لإدخال منهج الذكاء الاصطناعي، من بينها الجهة التي ستتولى وضع المنهج، والمعايير التي ستُعتمد، وأي دولة متقدمة يمكن الاستفادة من تجربتها، قائلًا: حتى الآن لا توجد دولة متقدمة تملك هذا التخصص بشكل منهجي.. هتجيب المنهج منين؟ هتألفه؟ وعلى أي أساس؟ لازم يكون في أسس واضحة علشان يكون معترف بيه دوليًا .
عقلية القائمين على التعليم
وأوضح «عبد العزيز»، أن هناك جانبا آخر لا يمكن تجاهله، وهو الأدوات داخل المدارس، مثلًا: هل يوجد كمبيوتر لكل طالب؟ وهل تتوافر برامج الذكاء الاصطناعي ذات التكلفة المرتفعة، التي خرجت على أيدي جيوش من المتخصصين والمهندسين في تلك الدول؟ وهل تمتلك مصر ميزانية تتيح الحصول على هذه البرامج؟ ثم من سيُدرّسها؟ وهل سيكون مؤهلًا بالفعل؟
وقال : الأمر كله يشعرني بحالة حزن.. كيف تكون هذه عقلية القائمين على التعليم في مصر، مشددا على أن وضع المناهج لا بد وأن يخضع لأسس محددة، في مقدمتها جودة المادة العلمية، وكفاءة المعلم، والبيئة المدرسية .
وأكد «عبد العزيز»، أنه لا توجد حاليًا قاعدة واضحة يمكن البناء عليها، خاصة أن مصطلح الذكاء الاصطناعي لا يزال مطاطًا ولا يمكن وضعه في إطار منهجي دقيق في هذه المرحلة.
