تراجع مفاجئ بعد تصعيد غير مسبوق ..تعليق “عمومية ” نادي القضاة يفتح تساؤلات حول استقلال العدالة؟

- ‎فيتقارير

 

في خطوة وُصفت بالمفاجئة، أعلن مجلس القضاء الأعلى تعليق الدعوة لعقد جمعية عمومية غير عادية لنادي قضاة مصر، بعد أيام قليلة من تصعيد غير مسبوق داخل الأوساط القضائية اعتراضًا على ما تردد بشأن نقل ملفات التعيين والترقية من المؤسسات القضائية إلى جهات ذات طابع عسكري.

 

القرار جاء عقب اجتماع موسّع عُقد بدار القضاء العالي، برئاسة المستشار عاصم الغايش، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وبحضور رئيس نادي قضاة مصر وعدد من أعضاء مجلس إدارته، إضافة إلى رؤساء أندية القضاة في الأقاليم.

 

وقال بيان رسمي: إن "الاجتماع ناقش ما أُثير مؤخرًا حول تعيينات أعضاء النيابة العامة، مؤكدًا أن مجلس القضاء الأعلى هو الجهة المختصة حصريًا بشؤون التعيين والترقية، وفقًا للدستور والقانون"، غير أن البيان نفسه شدد في الوقت ذاته على أن هذه الصلاحيات تُمارَس "بما يتوافق مع توجهات رئيس الجمهورية"، في صيغة اعتبرها مراقبون إقرارًا صريحًا بتبعية سياسية لا تخطئها العين.

 

من التصعيد إلى التراجع

 

كيف انكسر موقف نادي القضاة؟

 

الأزمة تعود إلى اجتماع طارئ عقده نادي قضاة مصر الأسبوع الماضي، وُصف بالحاشد وغير المسبوق، لمناقشة أنباء عن قرارات مرتقبة تشمل:

 

إلغاء مكتب التعيينات التابع للنائب العام.

 

نقل ملفي التعيينات والترقيات إلى الأكاديمية العسكرية.

 

إلغاء دفعة 2022 من التعيينات.

 

توحيد مسار القبول عبر جهة واحدة بدءًا من الدفعات التالية.

 

وهي إجراءات رآها القضاة آنذاك انتهاكًا مباشرًا لاستقلال السلطة القضائية ونصوص الدستور، وانتهى الاجتماع إلى تصويت بالإجماع على عقد جمعية عمومية طارئة، في خطوة بدت وكأنها كسرٌ لحاجز الصمت الذي لازم القضاء منذ انقلاب 2013.

 

لكن سرعان ما تبدد هذا الزخم، بعد اجتماع دار القضاء العالي، ليوافق نادي القضاة على تعليق الجمعية العمومية، مقابل تعهدات بزيادة أعداد المقبولين في النيابة العامة، دون تقديم ضمانات مكتوبة أو تعديل تشريعي واضح.

 

تراجع أم إعادة ضبط؟

 

القضاء بين العسكرة والتوظيف السياسي

 

يرى محللون أن ما جرى لا يمكن وصفه بتراجع النظام عن عسكرة القضاء، بقدر ما هو إعادة ضبط للمشهد، تضمن بقاء السيطرة السياسية مع تجنب انفجار علني داخل مؤسسة طالما لعبت دورًا محوريًا في شرعنة القمع.

 

فمنذ 2013، تحوّل القضاء، وفق تقارير حقوقية دولية، إلى أحد أهم أدوات النظام في تقنين الإجرام السياسي، عبر:

 

إصدار أحكام إعدام وسجن جماعية.

 

تدوير عشرات الآلاف من المعتقلين على قضايا متشابهة.

 

تمرير قوانين استثنائية تقيد الحريات.

 

منح غطاء قانوني للتوسع في القمع.

 

وبحسب مراقبين، فإن النظام لا يحتاج إلى عسكرة شكلية مباشرة طالما أن البنية القضائية الحالية تؤدي الدور المطلوب بكفاءة، وأن أي خطوة فجّة نحو نقل التعيينات للأكاديمية العسكرية كانت ستفتح باب صدام يصعب احتواؤه.

 

تفاعل واسع على مواقع التواصل

 

قرار تعليق الجمعية العمومية أثار موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب أحد المحامين الحقوقيين:

"نادي القضاة صعّد عندما شعر بالخطر على امتيازاته، ثم تراجع عندما وصلت الرسالة، لا علاقة للأمر باستقلال القضاء ولا بدولة القانون".

 

فيما علّق ناشط سياسي:

"النظام لم يتراجع، بل قال للقضاة: دوركم مستمر، فقط دون ضجيج، والأحكام الظالمة ستصدر كما هي".

 

وقال قاضٍ سابق في منشور متداول:

"منذ أن قَبِل القضاء أن يكون جزءًا من ماكينة القمع بعد 2013، فقد حقه الأخلاقي في الحديث عن الاستقلال. ما جرى اليوم نتيجة طبيعية".

 

قضاء بلا معركة.. ونظام بلا تنازل

 

ما حدث لا يعكس انتصارًا لاستقلال القضاء، ولا تراجعًا حقيقيًا عن عسكرة الدولة، بل يكشف عن حدود الحركة المسموح بها داخل منظومة محكمة الإغلاق. فالنظام، الذي اعتمد على القضاء في تثبيت أركان حكمه وقمع معارضيه، لا يرى مصلحة في كسره أو استبداله، بقدر ما يحرص على إبقائه منضبطًا، صامتًا، وفعالًا في أداء دوره.

 

أما نادي القضاة، فقد اختار التراجع، مفضّلًا الحفاظ على التوازنات القائمة، حتى لو جاء ذلك على حساب ما تبقى من صورة القضاء كسلطة مستقلة، في بلد لا يزال عشرات الآلاف من معارضيه خلف القضبان، بأحكام صدرت باسم القانون.