يثير الجدل المتجدد حول تشريعات “مواجهة الشائعات” في مصر سؤالاً جوهرياً عن الفارق بين حرية الرأي والتعبير كما مورست فعلياً في عهد أول رئيس مدني منتخب، الدكتور محمد مرسي، وبين ما آلت إليه أوضاع الصحافة والإعلام في ظل نظام عبد الفتاح السيسي، الذي يُعد من أكثر العهود تضييقاً على الصحافيين والإعلاميين في تاريخ البلاد الحديث.
خلال عام حكمه القصير، واجه الرئيس الشهيد محمد مرسي حملة إعلامية غير مسبوقة، اتسمت بالتجريح الشخصي والقذف الصريح، ولم تقتصر على نقد الأداء السياسي، بل تجاوزته إلى الإساءة المباشرة.
ورغم صدور أحكام قضائية ضد بعض الصحافيين، من بينهم إسلام عفيفي، رئيس تحرير صحيفة “الدستور” آنذاك، بتهمة قذف رئيس الجمهورية شخصياً، فإن مرسي رفض تحويل تلك الأحكام إلى أداة للانتقام السياسي، وأصدر قانوناً يمنع حبس الصحافيين في قضايا النشر، في سابقة عكست إيماناً عملياً بحرية الصحافة، لا مجرد شعارات.
المفارقة أن الصحافي ذاته، الذي أُدين قضائياً في عهد مرسي، لم يتوقف عن ترويج الأكاذيب بعد انقلاب يوليو/تموز 2013، بل جرى مكافأته لاحقاً بتعيينه على رأس مؤسسة “أخبار اليوم”، إحدى أعرق المؤسسات الصحافية القومية في مصر، في نموذج صارخ لكيفية إعادة هندسة المشهد الإعلامي على أساس الولاء السياسي لا المعايير المهنية.
في المقابل، يشهد عهد السيسي توسعاً غير مسبوق في حبس الصحافيين والإعلاميين، سواء عبر الحبس الاحتياطي المطوّل أو القضايا ذات الاتهامات الفضفاضة، مثل “نشر أخبار كاذبة” و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”. ووفق تقارير دولية، لا تزال مصر ضمن قائمة أكبر سجون الصحافيين في العالم، مع سيطرة شبه كاملة للدولة والأجهزة السيادية على وسائل الإعلام.
ورغم هذا السجل القاتم، تسعى السلطة حالياً إلى تمرير تشريعات جديدة تحت لافتة “مواجهة الشائعات”، في ظل غياب قانون تداول المعلومات، الذي يُعد حجر الزاوية لأي بيئة صحافية سليمة. ويذهب مراقبون إلى أن هذه المقاربة لا تهدف إلى تعزيز الشفافية، بقدر ما تسعى إلى تشديد القبضة القانونية على ما تبقى من مساحات التعبير، وتحويل الصحافة من سلطة رقابية إلى أداة دعائية.
اللافت في هذا السياق هو موقف قطاع من الجماعة الصحافية، التي كانت تتطاول بلا حرج على رئيس مدني منتخب، أستاذ جامعي مشهود له بالرصانة العلمية، لكنها تلوذ اليوم بالصمت أو العجز عن مواجهة سلطة عسكرية لا تتسامح مع النقد، رغم ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية من تدهور غير مسبوق.
هكذا، يتبدى الفارق الجوهري بين عهدين: أحدهما أخطأ سياسياً لكنه احترم الكلمة ورفض سجن الصحافيين، والآخر يرفع شعار “مكافحة الشائعات” بينما يُكمم الأفواه، ويُفرغ الصحافة من دورها، في تناقض صارخ بين النصوص الدستورية والواقع القمعي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن مواجهة الشائعات بالقوانين العقابية، أم بالشفافية وحرية تداول المعلومات، كما تقتضي أبسط قواعد الصحافة في الدول التي تحترم عقول مواطنيها؟
