إنشاء منطقة اقتصادية في سيناء .. ماذا يريد السيسي؟

- ‎فيتقارير

خلال الشهور الأخيرة ومنذ أكتوبر 2022م، شرع نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي في تهجير أهالي 9 قرى قسريا، واستأنف العمل في المشروعات الغامضة بشمال سيناء بوتيرة أسرع، وبدأ في إقامة (منطقة اقتصادية حرة) بين قطاع غزة ومحافظ شمال سيناء؛ وهو المخطط الذي يتضمن مشروعات بنية تحتية في محيط المنطقة وتسوية الأرض اللازمة لإتمامها. هذه التطورات المتلاحقة  والتي تزايدت وتيرتها منذ شهر نوفمبر 2022 حيث عاد بنيامين نتنياهو رئيسا لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، أعادت الحديث  والتساؤلات حول إجراءات خطة "السلام الاقتصادي"، التي طرحها منذ سنوات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وعقدت من أجلها ورش عمل، بمشاركة دول عربية، منها خليجية، وحكومة الاحتلال الإسرائيلي.

حسب هذا المخطط سيُسمح للفلسطينيين والمصريين بالدخول إلى المنطقة التجارية الحرة للتسوق وتبادل البضائع. وتأتي التطورات عقب التصريحات الأميركية خلال مشاركة السيسي في أعمال قمة القادة الأميركيين والأفارقة، التي عقدت على مدار ثلاثة أيام في العاصمة واشنطن في ديسمبر 2022م، وتضمنت الإشادة بالدور المصري في حفظ الأمن لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بالتوازي يتم الإعداد أيضا لمنطقة حرة في منطقة نويبع جنوب سيناء؛ وحسب تصريحات اللواء خالد فودة، محافظ جنوب سيناء سنة 2018م فقد تمت الموافقة على إقامة منطقة حرة في بمنطقة "نويبع" جنوب سيناء لكي تخدم مشروع "نيوم السعودي"، والتي توفر نحو 14 ألف فرصة عمل مباشرة، وهو المشروع الذي يخطط أن يقام على مليون م مربع. وفي مارس  2018م،  وقعت الرياض والقاهرة اتفاقية لتطوير أكثر من ألف كيلومتر مربع من أراضي جنوب سيناء، لتكون ضمن مشروع "نيوم"، وهي منطقة خاصة سيتم بناؤها على أراض سعودية وأردنية ومصرية، لتصبح وجهة حيوية جديدة على مستوى العالم، بتكلفة 500 مليار دولار. وكشف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن المشروع الضخم في أكتوبر 2017، في إطار رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تنويع مصادر ثروة البلاد، وتخفيف الاعتماد على النفط.

بدأ المخطط في شمال سيناء منذ 2014م بإزالة مدينة رفح من الوجود وتهجير نحو 80 ألفا من السكان، ويجري حاليا إنشاء شبكة طرق ضخمة تربط مدينة رفح الجديدة ببقية محافظة شمال سيناء من ناحية، ومن ناحية أخرى بقطاع غزة. والطواقم التي تعمل على إزالة الأنقاض، تابعة لشركة "أبناء سيناء"، التي يترأس مجلس إدارتها إبراهيم العرجاني، المعروف بشراكته مع جهاز الاستخبارات المصرية. وتقوم الشركة باستكمال المشروع ورصفه، وتشييد سور كبير في محيطه، مجهز بأعلى درجات المراقبة والإضاءة، حرصاً على عدم تسلل أي فرد من خارج البوابات المخصصة لحركة التجار والمواطنين، حيث سيسمح للفلسطينيين والمصريين بالدخول إليها للتسوق وتبادل البضائع. موقع المنطقة التجارية سيكون في محيط بوابة صلاح الدين التاريخية، التي كانت ممراً للعبور من قارة آسيا إلى أفريقيا، ممثلة بفلسطين ومصر، فيما من المقرر أن يتم الاتفاق على برنامج لعمل هذه المنطقة الحرة، بالتوافق مع الجانب الفلسطيني.

 

تمويل سعودي

تمويل إنشاء هذه المنطقة الحرة بين غزة وشمال سيناء يقع على كاهل النظام السعودي، فقد تم  الاتفاق على ذلك بالتوازي مع اتفاقية التفريط في سيادة مصر على جزيرتي "تيران وصنافير" في إبريل 2016م؛ بما يعني أن هذه الإجراءات مترابطة وفق أجندة واحدة ومخطط واحد، وما هي  إلا جزء من مخطط متعدد الأبعاد والأهداف لإعادة هندسية وتصميم المشهد الإقليمي على نحو يضمن المصالح الأمريكية والغربية، وتفوق (إسرائيل) على كل جيرانها العرب المسلمين؛ حيث اتفق الطرفان السعودي والمصري على إقامة منطقة اقتصادية حرة ضخمة في شمال سيناء يمولها صندوق الاستثمارات السعودي بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي.  وحسب الاتفاق فإن هذه المنطقة الاقتصادية الحرة ستمثل منفذا لوجستيا  للصناعات السعودية في مشروع وعد الشمال و المشاريع التعدينية، إضافة لخلق منفذ جديد للبترول الخليجي المتجه لأوروبا، إذ سيتم نقله عبر جسر الملك سلمان إلى الميناء في المنطقة الحرة، ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط. أما مصر فسوف تستفيد بإقامة وتطوير البنية التحتية في شمال سيناء لضمان سلاسة نقل البضائع والمواد الأولية من وإلى هذه المنطقة، إضافة لإنشاء عدد من التجمعات السكنية، واستثمارات زراعية للاستفادة من البيئة الخصبة في سيناء. وسيخلق هذا المشروع فرص عمل للطاقات البشرية في مصر، ويوجه بوصلة التنمية فيها باتجاه جديد. وتشكل هذه الاتفاقية أولى ثمار الإعلان عن إنشاء جسر الملك سلمان الذي يربط آسيا بإفريقيا، وسط إرادة من البلدين لاستكمال المشاريع التي تضمن استفادة الجانبين.

 

استنساخ دبي في غزة!

سيكون مطار العريش مخصصا لسفر الفلسطينيين من قطاع غزة إلى داخل مصر وخارجها، بعد التوسعات التي جرت للمطار خلال السنوات الماضية، ليتمكن من استيعاب عدد من الطائرات كبيرة الحجم بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسافرين بشكل.  وهي العملية التي تسببت في هدم آلاف البيوت لتطوير المطار. كذلك يجري حاليا إنشاء طريق خاص للفلسطينيين من غزة إلى سيناء عبر منفذ رفح البري، وهذا الطريق مغلق بجدار إسمنتي، لا يمكن للمسافرين تجاوزه للوصول إلى المطار أو إكمال الطريق إلى قناة السويس ومنها إلى المحافظات المصرية غرب القناة.

وكان الأمين العام لحركة "الجهاد الإسلامي" زياد النخالة قد كشف في مقابلة تلفزيونية في نهاية نوفمبر 2021، نقلاً عن مسؤولين مِصريين التقاهم أثناء زيارته للقاهرة، أن القيادة المصرية تريد تحويل قطاع غزة إلى "دبي ثانية". وأفاد بأن المرحلة المقبلة ستشهد تدفّق المِليارات لإنجاز هذا الهدف، وتطبيقه عملياً على الأرض، بالإضافة إلى تقديم تسهيلات لأبنائه بما في ذلك حرية السفر، ووقف إجراءات التفتيش المهينة على الحواجز الأمنية المصرية في معبر رفح وفي سيناء، علاوةً على المطارات المصرية. ولفت النخالة إلى وجود قرار مصري بإقامة مدينة ترفيهية ضخمة قبالة مدينة رفح على حدود القطاع مع سيناء، تكون مفتوحة لأبناء القطاع، ولا يتطلّب دخولها أي تصاريح أو إجراءات دخول، وتحتوي على فنادق خمس نجوم، وملاه ودور سينما ومنشآت ترفيهية أخرى.

 

أهداف المنطقة الحرة

مشروع المنطقة الحرة بين غزة وشمال سيناء ينطوي على مؤشرات سياسية كبرى أشد خطرا من المؤشرات الاقتصادية التي تمثل عنواناً للمشروع؛ فالمستهدف من المشروع هو ربط قطاع غزة اقتصادياً بمصر، وفك ارتباط القطاع بالجانب الإسرائيلي بشكل تدريجي باعتباره قوة احتلال  ملزمة بتوفير كل احتياجات السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، وبالتالي تصبح مصر هي البديل للاحتلال والملزم في ذات الوقت بتوفير احتياجات القطاع الغذائية والاقتصادية؛ مع إخراج حكومة الاحتلال من الصورة بشكل تدريجي وبما  يقلل الانتقادات الحقوقية لإسرائيل وتبييض صورتها عالميا من جهة، والأشد خطورة هو مقايضة أمن الاحتلال بالاقتصاد ولقمة العيش لأهالي غزة؛ فالجانب المصري في هذه الحالة سيكون مسئولا عن الملف الاقتصادي لغزة وكذلك ضامنا للملف الأمني بما يضمن تأمين حدود الاحتلال والعمل على السيطرة على قوى المقاومة والعمل على تفكيكها بشكل تدريجي بناء على تعزيز القاهرة وجودها وسيطرتها على القطاع.

المخطط يجري بالتزامن مع وجود عشرات الطواقم الهندسية والفنية المصرية داخل القطاع تعمل في مدن غزة، لإتمام مشاريع ضخمة بُدئ بها في أعقاب العدوان الإسرائيلي على القطاع في مايو 2021، وتتمثل بمدن إسكانية، ومحور طرق رئيسي على الشريط الساحلي، وكذلك مشاريع أخرى للبنى التحتية، ضمن منحة السيسي لإعادة إعمار غزة، البالغة قيمتها 500 مليون دولار أميركي، وأُعلنَت بعد انتهاء العدوان.

في المقابل فإن نظام السيسي سوف يحقق بعض المكاسب الاقتصادية الناتجة عن حجم التبادل التجاري مع غزة وهي منطقة كثيفة  السكان تصل إلى نحو مليوني إنسان، وكثيرة الاستهلاك. وسياسياً، تستفيد القاهرة، من خلال تحسين علاقاتها بالإدارة الأميركية، التي ترغب في تفكيك معضلة قطاع غزة، كأولوية للأمن الإسرائيلي، وكذلك تحسين العلاقة مع الاحتلال، الذي يعتبر مفتاحاً لكل العواصم ذات الثقل في الشرق الأوسط وخارجه، إلا أن انعكاساته على القضية الفلسطينية حتماً ستكون سلبية، وتفقدها قوتها ومركزيتها، وتصبح قضية أمنية واقتصادية بحتة، بدلاً من كونها سياسية.