مع التحركات المصرية الباهتة، وإصرار نظام السيسي على نفس مسار الخيانة لمصر، وخداع المصريين الذين يحارب وعيهم بمجموعة قنوات وصحف تديرها مخابرات الخداع المنبثقة من عقلية الإعلامي الناصري أحمد سعيد، الذي صور للشعب انتصارات وهمية للجيش المصري في حرب الست ساعات في 1967 ، إلى أن تفاجأ الجميع بهزيمة قاسية وتدمير سلاح الجو المصري ومقتل وأسر عشرات الألوف من جنود مصر الذين تاهوا في صحاري سيناء.
وها هو السيسي ونظامه يكرر الكارثة مجددا، عبر تصريحاته الساخرة من المصريين على شاكلة "بطلوا هري" "خلاص السيسي حلها" "مضيعتكمش قبل كدا".
وهي العبارات التي ينوّم بها الشعب ويخرسه بفعل الاعتقالات ، فيما الأمر أخطر من ذلك كله، وسط انفراد تام لأثيوبيا بإدارة مياه النيل الذي يعد مخالفا لكل القوانين والقواعد العالمية، كونه نهرا دوليا لا تتحكم فيه دولة المنبع إطلاقا.
حيث تواصل أثيوبيا الملء الثالث وتعقد اتفاقات مع كينيا لتوليد الكهرباء وتصديرها، وتعمد لتهميش وإخماد كل مطالبات مصر والسودان بضرورة عقد اتفاق ملزم لعملية الملء وإدارة السد، مستندة لتفريط السيسي في حقوق مصر وتضييعه حق الفيتو التاريخي لمصر على أية مشاريع مياه تقام على النيل ، وفق الاتفاقات التاريخية السابقة، عندما وقع اتفاق المبادئ مع أثيوبيا، متنازلا عن النص التاريخي بحقوق وحصة مصر التاريخية في مياه النيل، لكي يتمكن الأثيوبيون الآن من حرمان مصر من أكثر من 35 مليار متر مكعب، وفق تصريحات سابقة لوزير الري السابق محمد نصر علام، الذي عُوقب عليها بسجنه لسنوات، بمزاعم قضايا فساد، وعندما أكدت الدراسات العلمية لوكالة ناسا وفريق العالم المصري عصام حجي خسارة مصر لنحو 31 مليار متر مكعب إثر مل السد، حرك السيسي جماعات الضغط المخابراتية المتلبسين برداء العلم، ليدافع عن طروحات أثيوبيا ، مقللا من حجم المخاطر التي تتعرص لها مصر، ثم يعود بخلل عقلي وجنون سلطوي، ليؤكد وزير خارجية النظام سامح شكري في شكواه لمجلس الأمن، على ما ذهبت إليه دراسات عصام حجي، من مخاطر نقص المياه وتملح التربة وبوار الأراضي الزراعية، ونقص الغذاء وزيادة الفقر والجوع.
وأمام كل ذلك الخلل والهبل، تقف الأطراف الدولية من أثيوبيا موقفا سلبيا، حتى المبعوثين الأمريكيين إلى المنطقة والقرن الأفريقي لم يحملوا حلولا سوى التفاوض ومجرد التفاوض فقط والحياد السياسي، الذي تستغله أثيوبيا في العصف بحقوق مصر، بلا حراك من مصر سوى الشجب والإدانة والبكاء على أعتاب الأمم المتحدة والإمارات وأمريكا والاتحاد الاوربي.
وفي مقابل ذلك تسرع أثيوبيا خططا الاستراتيجية نحو مخطط بيع المياه لمصر، وتسليع مياه النيل لمن يدفع، مصر أو إسرائيل الحالمة بمياه النيل.
إذ أن توليد كميات الكهرباء المطلوبة لأثيوبيا يكفيها سد يتسع حجمه لاستيعاب وتخزين 14 مليار متر مكعب فقط، إلا أنها استغلت خنوع السيسي وبنت سد السرج الداعم لسد النهضة الخرساني يتسع لنحو 60 مليار متر مكعب، لاستغلالها سياسيا، لتركيع مصر وإخضاعها في إفريقيا والمنطقة، بما يحقق مكاسب إسرائيلية ومكاسب لأطراف إقليمية أخرى لها مصالح في أن تكون مصر دولة ضعيفة، كالإمارات والسعودية.
عجز مصري
ولم تعد لدى مصر خيارات كثيرة لمواجهة إثيوبيا، فيما يتعلق بأزمة سد النهضة، فقد فعلت إثيوبيا ما تريد فعله من دون وجود ردة فعل من النظام المصري، وهو ما شجعها أكثر أن تسير في طريقها في عملية إنهاء بناء سد النهضة، والبدء في الملء الثالث، على أن "النهضة" لن يكون السد الأخير الذي ستبنيه إثيوبيا على النيل، ولن يكون الملء الثالث أيضا هو الملء الأخير، فاتفاقية المبادئ أتاحت لإثيوبيا ذلك، كما أن هناك ثلاثة سدود تزمع إثيوبيا تشييدها، وبدأ التخطيط لها قبل 2011، سعتها التخزينية إلى جانب سد النهضة 200 مليار متر مكعب، ما يعني أن إثيوبيا قادرة على تجفيف النيل في مصر، وعدم وصول أي نقطة ماء إليها في أربع سنوات كاملة، ما يترتب عليه مجاعات وخراب ودمار، وعدم وجود كهرباء، لأن السد العالي حينها لن تكون لديه القدرة على توليد الكهرباء، لعدم وجود مياه في بحيرته الخلفية التي تتسع لـ160 مليار متر مكعب ووفق المحلل السياسي تقادم الخطيب، لقد أدركت إثيوبيا أن النظام المصري غير قادر على مواجهتها، سواء على المستوى الداخلي أو التنسيقي مع دول الجوار الأفريقية أو على مستوى الصعيد الدولي.
وقبل البدء في تفنيد ضعف الموقف المصري والهدف الإثيوبي النهائي، والخيارات المتاحة أمام مصر، لا بد من توجيه المسؤولية إلى من يتحملها، وهو عبد الفتاح السيسي، الذي تسبب في وصول الأمر إلى هذا المستوى، والتفريط في حقوق مصر التاريخية في مياه النيل؛ ففي وقت كانت فيه الدبلوماسية الإثيوبية وسفاراتها في الخارج تعمل بنشاط وتخوض حملة لإقناع المجتمع الدولي بعدالة قضيتها، وبعدم نيتها الإضرار بدولتي الجوار مصر والسودان في ما يتعلق بمياه النيل، وأنها تحتاج هذا السد من أجل التنمية، كان رجال الدبلوماسية والسفارات المصرية مشغولين بمطاردة النشطاء والسياسيين المصريين في الخارج وملاحقتهم، وكتابة التقارير الأمنية عنهم وتهديدهم وتهديد أسرهم.
فشل السيسي
ولعل الفشل الذريع للسيسي ونظامه بدا عندما وقع اتفاقية المبادئ 2015، من دون الرجوع إلى هيئة أو مؤسسة في مصر لاستشارتها بشأنها، وهو ما يطرح سؤالا مهما، لماذا فعل السيسي ذلك، وما دوافعه؟ وقد جرى التوقيع على تلك الاتفاقية من دون الانتباه إلى حصص مصر التاريخية، إذ لم يتضمن هذا الإعلان ذكر أي حصص لمصر في مياه النيل، كما أنه لم ينص على أي شيء يتعلق بآليات الملء وفتراته والسعة التخزينية، وهذا ما أتاح للجانب الإثيوبي الشروع في عملية الملء الثاني من قبل والثالث حاليا من دون أن يكترث لمصر، لانتفاء ما يلزمه بذلك، وهو أيضا ما جعل مصر والسودان يطالبان بضرورة وجود اتفاقية ملزمة لملء السد وتشغيله، وهو ما لم ولن تقوم به إثيوبيا.
في المقابل، كانت الدبلوماسية المصرية ضعيفة في مواجهة الدبلوماسية الإثيوبية النشطة في الأروقة الدولية، كما أن النظام لم يستطع استخدام الفرص الحقيقية لاستخدام القوة تجاه سد النهضة، فأفضل توقيت كان توقيت الرئيس الأميركي السابق ترامب، والذي لوّح بأن لمصر الحق في ذلك، لكن النظام المصري لم يقم بهذا، لأنه يخشى على أمنه أولا، ويدرك أن القيام بضربة عسكرية لسد النهضة ستعرض أمن النظام واستقراره لتهديد حقيقي قد يطيحه، إلى جانب تعقيدات إقليمية أخرى لم يعد النظام ذا تأثير قوي فيها.
في المقابل، خسر النظام المصري التأييد الروسي، حينما تقدم بطلب لمجلس الأمن العام الماضي لوقف التصرفات الإثيوبية أحادية الجانب، فقد كان الجانب المصري يعوّل كثيرا على الدعم الروسي، لكن خيبة الأمل كانت قوية، فقد جاء الموقف الروسي بعد عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الإثيوبيين، وهو ما جرت ترجمته في هذا الموقف الروسي في مجلس الأمن، ولعلها كانت رسالة إلى النظام المصري أن يدرك أنه لا بد أن يكون أكثر تقاربا مع روسيا، والذي تُرجم في ما بعد بالموقف المصري من الحرب الروسية الأوكرانية، فلم يدنها النظام، وأخذ سبيل الحياد، وحينما صوّت لإدانة الغزو في الأمم المتحدة، شرح موقفه للجانب الروسي بأن ضغوطا مورست عليه من الدول السبع الكبرى. لم يخسر النظام المصري الموقف الروسي فحسب، بل شجع ذلك قوى أوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، على إدخال تعديلات جوهرية على موقفها بشأن الأزمة، وتبني موقف أقرب إلى المحايد الذي يتبنى دورا تحفيزيا للجلوس واستكمال المفاوضات، بعدما كان يميل أكثر إلى تبني نهج الضغط على أديس أبابا للتراجع عن بعض الخطوات المتعلقة بالسد.
وعلى الرغم من هذا التدهور في الملف الأهم والأخطر للدولة المصرية، فإن النظام المصري، خصوصا السيسي ومجموعته التي تمسك بزمام الأمور يمنعون مناقشة هذا الأمر أو طرحه للنقاش، سواء في الدوائر الإعلامية أو في جلسات الحوار الوطني التي دعا إليها منذ شهرين، وعلى أساسها تشكلت لجنة الحوار الوطني، وهذا يعكس إصرار السلطة على عدم طرح هذه الأمور المهمة للنقاش، وانفرادها باتخاذ القرار بعيدا عن المعارضة، أو مجرد مشاركتها في المسألة، كما أنه يؤكد عدم جدية هذا الحوار الوطني.
شراء المياةه من أثيوبيا
وفي ظل انفراد السلطة بمثل هذه القرارات المصيرية، تبقى الحلول حبيسة أسوار هذه السلطة، وقد تكون أكثر إضرارا بمستقبل الدولة المصرية، ومن بين هذه الحلول المطروحة، والتي نوقشت في أروقة السلطة، عملية شراء المياه من إثيوبيا، ضمن الحلول المقترحة على المدى الطويل، وإعداد تصورات واضحة بحجم التكلفة الخاصة بهذه الخطوة، مقارنة بعملية تحلية المياه من أجل أغراض الشرب، بخلاف التكلفة الخاصة بعمليات إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي للاستخدامات الخاصة بالري، وعند طرح هذا السيناريو للنقاش، نجد أن عملية تحلية مياه البحر وكذلك عملية إعادة تدوير المياه الأخرى لن يكون في استطاعتهما تعويض الكمية التي ستفقدها مصر جراء سد النهضة والسدود الأخرى التي ستقام على النيل، ناهيك عن حجم التكلفة الرهيبة، والتي يعجز الاقتصاد المصري عن تحملها في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف به.
وهكذا تقف مصر أمام سيناريو الجوع والعطش فيما أسلحة الجيش المصري تصدأ في مخازنها، بعدما ابتلعت مليارات الدولارات بلا جدوى وبلا فائدة، سوى تحقيق عمولات جيدة للسيسي والعسكر.