لماذا فشلت تجربة السيسي مع صندوق النقد الدولي؟

- ‎فيتقارير

كل الأدلة والبراهين تؤكد فشل تجربة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي مع صندوق النقد الدولي والتي بدأت باتفاق في نوفمبر 2016م؛ حيث تلقى نظام السيسي 12 مليار دولار على ثلاث شرائح، لكن إذعان السيسي لشروط الصندوق أفضت إلى كوارث كبرى على الاقتصاد المصري وتسببت في سقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر، إضافة إلى ارتفاع مستوى الديون الخارجية والمحلية إلى معدلات مخيفة ومرعبة تصل إلى نحو 6 تريليون جنيه مصر محليا و140 مليار دولار خارجيا.

أولى الدلائل على فشل التجربة هي الرسوم والضرائب التي لا يتوقف نظام السيسي عن فرضها على الناس كل سنة؛ وآخرها التعديلات التي أجراها على قانون القيمة المضافة وترتب عليها زيادة الضرائب على 35 سلعة. كذلك توجهات النظام نحو رفع أسعار الخبز وحذف ملايين المصريين من بطاقات التموين تلبية لشروط الصندوق التي تضع إلغاء  الدعم وزيادة موارد الدولة كأولوية مطلقة دون النظر إلى التداعيات الكارثية لشروطه على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

ثاني الدلائل، أن المرحلة الأولى (2016ــ 2019) من برنامج الاقتراض من صندوق النقد الذي يسمى «برنامج الإصلاح المالي والنقدي» قد تكون حققت نجاحات نسبية، منها القضاء على السوق السوداء للعملة، ودعم استقرار سوق الصرف الأجنبي، وإعادة بناء احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وإن كانت هذه الخطوة قد تمت عبر التوسع الكبير في الاقتراض الخارجي وليس من موارد ذاتية. لكن تلك المرحلة أخفقت في تحسين مستوى معيشة المواطن خاصة على مستويات الخدمات التعليمية والصحية، ووقف قفزات الأسعار، وكبح عجز الموازنة العامة. كما واكب هذه المرحلة حدوث قفزات غير مسبوقة في الدين العام بشقيه الداخلي والخارجي، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، وتراجع معدلات الادخار، وانهيار الطبقة الوسطى.  ورغم هذه الكوارث تتجه الحكومة نحو إطلاق مرحلة ثانية من  هذا «الإصلاح الاقتصادي» بحسب جيهان صالح مستشارة رئيس الوزرا مصطفى مدبولي في أبريل 2021م.

الدليل الثالث على فشل تجربة السيسي مع صندوق النقد، أنه في يونيو 2020  وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد على منح نظام السيسي قرضا جديدا بقيمة "5.2" مليارات دولار، في الوقت الذي شرع فيه على الفور في تسليم حكومة السيسي "2.8" مليارات دولار لمواجهة تداعيات تفشي جائحة كورونا، وبذلك يكون نظام السيسي قد اقترض 20 مليار دولار من الصندوق. تفسير مرونة الصندوق مع النظام في مصر ــ رغم تشدده مع دول أخرى ـ هو رغبة إدارة الصندوق في التستر على فشل الاتفاق الأول الذي تم إبرامه في نوفمبر 2016م على مدار 3 سنوت؛ وبذلك فالهدف من القرض الجديد المقدر بنحو 8 مليارات دولار هو التغطية على فشل ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، و ما ترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وزيادة المديونية". وبالتالي فإن "جائحة كورونا" مثلت غطاء وشماعة للطرفين (السيسي والصندوق) من أجل التغطية على الادعاءات المستمرة في إعلام النظام والتسويق بصحة المسار الاقتصادي وتحميل أزمة تفشي كورونا أسباب الفشل والتراجع وتعطيل هذا المسار؛ أما الصندوق فوجد في ذلك مبررا لإعطاء القرض ضمن ما أعلنه عن مساعدة الدول المتضررة من الأزمة. لكن  هذه الإجراءات لن تستطيع حجب الحقيقة الثابتة بالأدلة والبراهين والشواهد التي تؤكد أن الاقتصاد المصري هو اقتصاد ريعي يفتقر إلى وجود قاعدة إنتاجية تمكنه من الأداء الطبيعي على الصعيد المحلي والدولي".

الدليل الرابع، أن حجم الديون الخارجية والمحلية هو أكبر برهان على فشل التجربة، وحتى ندرك أبعاد الأزمة الاقتصادية في مصر بعد سنوات من الاتفاق مع صندوق النقد، فقد «كشفت بيانات البنك المركزي أن الديون الخارجية بلغت 137.8 مليار دولار حتى يونيو 2021م، بارتفاع 14.4 مليار دولار خلال عام بنسبة نمو 11.7 في المائة، وما زال الدين الخارجي في تزايد، حيث باعت الحكومة سندات دولاية في الخارج خلال شهر سبتمبر 2021 بقيمة ثلاثة مليارات دولار، كما اقترض بنك مصر، ثاني أكبر المصارف المصرية، مليار دولار. واستمرت الجهات المختلفة خاصة الحكومية في الاقتراض الخارجي خلال الشهور الأخيرة، وبما يعني تخطي الدين الخارجي حاجز الـ140 مليار دولار حاليا(أكتوبر 2021). أما الديون المحلية فقد أحجم البنك المركزي ووزارة المالية عن إعلان بياناتها منذ يونيو 2020م، والتي كانت وقتها أربعة تريليونات و742 مليار جنيه». وقد تصل حاليا إلى نحو 6 تريليونات جنيه. ويكفي أن نشير إلى أن ديون مصر الخارجية بلغت على مدار ستين سنة وحتى يونيو 2013 نحو 43 مليار دولار. «فالملك فاروق ترك خزائن مصر بفائض أجنبي يقدر بـ450000 جنيه إسترليني؛ لتبدأ بعده الدولة العسكرية بالاستدانة بحجّة بناء جيش يواجه الأخطار المحدقة بمصر آنذاك؛ ليترك عبد الناصر مصر عام 1970 بدين قدره 1.7 مليار دولار، وتبع أثره السادات، ومبارك الذي ترك الحكم سنة 2011 بدين يقدر بـ34 مليار دولار. ولكن للحقيقة فإنّ أيّاً من الحكام السابقين لم يبلغ به الفساد الدرجة التي بلغها النظام الحالي في مصر، الذي يقدم التنازلات تِباعاً ثمناً للاعتراف الدولي بشرعيته». وبلغت ديون مصر في 2016م نحو 55 مليار دولار، لكنها قفزت بعد اتفاق الصندوق في نوفمبر 2016م لتصل إلى 79 مليارا في يونيو 2017م، معنى ذلك أن السيسي اقترض بعد اتفاق الصندوق نحو 24 مليار دولار في عام واحد.  ثم قفز حجم الديون إلى 140 مليار  دولار حاليا، بما يؤكد أن حجم الديون الخارجية والمحلية تضاعفت على نحو فاحش حتى  إن السيسي وحده  ــ وفي 7 سنوات فقط ـ اقتراض ثلاثة أضعاف ما اقترضه كل حكام مصر السابقين على مدار 60 سنة!

خامسا، تؤكد أرقام الموازنة العامة للدولة أن إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة في موازنة العام الحالي (2021/2022) تصل إلى 1.172 تريليون جنيه، عبارة عن "593" مليارا لسداد أقساط القروض، و579.6 مليارا فوائد على الديون. في الوقت الذي لم تزد إيرادات الموازنة العامة للدولة عن  1.365 تريليون جنيه، معظمها إيرادات ضريبية بنحو 983.1 مليار جنيه، بنسبة تصل إلى 73% من جملة الإيرادات. بينما بلغت الإيرادات الأخرى غير الضريبية) إلى 380.6 مليار جنيه فقط!

معنى ذلك أن الاقتصاد المصري يقوم على جناحين هما: فرض المزيد من الرسوم والضرائب. والتوسع في الاقتراض المحلي والخارجي. وبهذا الديون والضرائب ينفق النظام ببذخ على مشروعاته رغم أنها بلا أى جدوى اقتصادية ويخرج على الناس متباهيا بإنجازاته الهائلة التي لا مثيل لها في العالم أو تاريخ مصر!!