في ضوء استفراد غير مسبوق لجميع السلطات بيد السيسي وعساكره ودون اعتبار لأية مساءلة برلمانية أو شعبية أو الرأي العام، الذي بات في قبضة العسكر وإعلامه الذي يقود المصريين لنكسة أشد وطأة مما جرى في يونيو 1967، يتخذ ديكتاتور مصر قرارات عشوائية غير متخصصة وبلا مسئولية وسط تصفيق من مقربيه، الذين لا هم لهم سوى إرضائه وتحصيل البزنس من تحت قدميه، وهو ما يفهمه جيدا السيسي ويغدق على الجيش وشركاته الأموال، حيث بات الجيش المستثمر الوحيد والتاجر الوحيد والمزارع الوحيد بمصر.
كافيهات ومطاعم
وجاءت قرارات السيسي بشأن تحويل حدائق الجيوان والأورمان بالجيزة والمنصورة إلى كافيهات ومطاعم، تنفذها شركات الجيش، لتمثل كارثة بيئية وجمالية وتاريخية أيضا، لكنها تصب في صالح اقتصاد الجيش، رافعا شعار نقص المياه وسد النهضة دون أن يسأله أحد عن مسئوليته عن فشل مصر الذريع في الحفاظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل.
وفي 29 أغسطس الماضي وجه السيسي وزارة الزراعة بتطويرالأصول المملوكة لها من الحدائق والمتنزهات، لا سيما التي تقع في نطاق القاهرة الكبرى، مثل حديقة الحيوان وحديقة الأورمان، بالشراكة مع خبرات أجنبية في مجال الإدارة والتشغيل بدعوى التطوير، وتعظيم الاستفادة المالية من تلك الأصول.
وبحسب مصدر بحكومة الانقلاب قال لصحيفة العربي الجديد، إن "توجيه السيسي تحويل حديقتي الحيوان والأورمان التاريخيتين في محافظة الجيزة، إلى مكان للمطاعم والمقاهي الحديثة بعد إزالة وتجريف أكبر قدر ممكن من المساحات الخضراء، على غرار ما حدث في حديقة الطفل بحي مدينة نصر، وحديقة قصر عابدين".
والأدهى من ذلك أن حصيلة تأجير الأنشطة التجارية المقررة في الحديقتين ستذهب على الأرجح إلى صندوق جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش، للاستفادة من عوائدها بعيدا عن الموازنة العامة للدولة، في تكرار لما حدث مع بعض الحدائق والمتنزهات الشهيرة في مناطق القاهرة، والتي تحولت تدريجيا إلى تجمعات للمطاعم.
قتل المساحات الخضراء
وبعيدا عن المنطق وبالمخالفة لما يتم في العالم حيث يتم تدعيم المساحات الخضراء يخطط السيسسي لمحاربة تلك المساحات بعد فشله الذريع في حماية حصة مصر التاريخية في مياه النيل، وانتصار الدبلوماسية الأثيوبية على مصر صاحبة أقوى الجيوش بالمنطقة وأعرق الدبلوماسيات، وتتوالى توجيهات السيسي المشددة لوزارة الزراعة، بشأن تقليص المساحات الخضراء في جميع المحافظات، وتحويل المتنزهات والحدائق العامة إلى تجمعات للمطاعم، أو إقامة مشروعات سكنية على أنقاضها، وذلك للحد من استهلاك مياه الري، في ظل مواجهة أزمة نقص مرتقبة في مياه النيل من جراء انتهاء إثيوبيا من مراحل ملء سد النهضة.
وجاءت توجيهات السيسي في اجتماع حضره رئيس وزراء الانقلاب ووزير الزراعة، السيد القصير ونائبه لشؤون الثروة الحيوانية والسمكية والداجنة، مصطفى الصياد، بغرض تناول بعض مشروعات الوزارة في مجال الصادرات الزراعية، وتنمية الثروة الحيوانية والسمكية، ومراكز تجميع الألبان.
وأمر السيسي بإزالة حدائق عروس النيل وصباح الخير وهابي لاند الأقدم في مدينة المنصورة، عاصمة محافظة الدقهلية، لإنشاء مشروع سكني مكانها باسم "تحيا مصر المنصورة"، في امتداد لوقائع قطع أشجار منطقة المنتزه التاريخية في محافظة الإسكندرية، والتعدي على حرم النيل بإزالة الأشجار المعمرة بكورنيش العجوزة في الجيزة، وتجريف الحدائق والمساحات الخضراء في حي مصر الجديدة.
وحصلت الشركة الوطنية المملوكة للجيش على حق استغلال المئات من المتاجر والمطاعم والكافيهات المنتشرة تحت الجسور الجديدة في مناطق شرق القاهرة، خصوصا في أحياء مدينة نصر ومصر الجديدة والنزهة وكذلك على امتداد محور 26 يوليو بين مدينة السادس من أكتوبر وطريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، وفي محيط المحطات الجديدة لتموين الوقود على الطرق السريعة وهو ما يؤيد أن إستراتيحية السيسي هي إفقار الشعب وإغناء العسكر المستفيدين من خراب مصر، بهدف تعظيم دور الجيش في الحياة المدنية والعامة ومن ثم الحيلولة أو زيادة صعوبة خلع السيسي ونظامه وإعادة العسكر لثكناتهم، من باب رفع التكلفة المجتمعية على من يفكر في الثورة ضد خكم العسكر، وفق مخططات صهيونية.
حيث بات المصريون كل يوم على موعد من أخبار إسناد المشروعات للجيش بالأمر المباشر، كإسناد بث مباريات منتخب مصر لشركة تابعة للمخابرات، ووبالأمس إسناد مشاريع إسكانية لشركة وطنية وتطوير المصانع والطرق والكباري ومشاريع الصرف الصحي وتنقية المياه والتغذية المدرسية وغيرها.