مغزى التوقيت والمآرب.. لماذا يدعو السيسي المصريين إلى تغيير معتقداتهم؟

- ‎فيتقارير

في مداخلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أدلى زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي بتصريحات بالغة الشذوذ والغرابة؛ إذ دعا المصريين (مسلمين ونصاري) إلى التفكير في إعادة تغيير معتقداتهم قائلا: «من يوم ما تولدنا المسلم مسلم والمسيحي مسيحي.."، "فمن ساعة ما تولدنا لقينا مكتوب في البطاقة مسلم ومسيحي.. احنا عاوزين نغير الفكرة والمنطق دا"، ومن ثم دعا إلى ما أسماه بإعادة صياغة المعتقد، من خلال التفكير فيه!

الملاحظة الأولى على هذه التصريحات أن الذي يدعو المصريين إلى تغيير معتقداتهم في الله هو نفسه الذي يحرِّم عليهم مجرد التفكير في تغييره هو كحاكم مستبد انتزع العرش بقوة السلاح غصبا وإرهابا، وأقصى الرئيس الوحيد المنتخب من الشعب بنزاهة وشفافية لم تحدث من قبل ولا من بعد. فالسيسي الذي لا يسمح للمصريين بمناقشة عدم اقتناع الناس به، ويريد منهم الإيمان به كزعيم وقائد له إنجازات باهرة بدون تفكير رغم الفشل المنتشر في ربوع البلاد، هذا الحاكم الذي ينصب نفسه إلها على الناس وينتزع أروح الرافضين لحكمه ويصادر حريتهم وينهب أموالهم ظلما وعدوانا هو نفسه الذي يدعو الناس لإعادة صياغة معتقداتهم، وفي الوقت الذي ليس مسموحا للمصريين فيه بالعمل من أجل تغييره فإنه يدعوهم إلى تغيير الدين، ولا يسلمون بما جاء في خانة الديانة منذ المولد!

الملاحظة الثانية، أن هذه التصريحات هي جزء من مخططات جارية تستهدف النيل من الهوية الإسلامية للدولة، فالسيسي حريص على زعزعة الثقة لدى المسلمين في دينهم؛ وتصريحاته في موقف سابقة خير برهان على ذلك، ومنها عندما ادعى أن المسلمين يريدون أن يحاربوا العالم كله ليعيشوا هم وحدهم! وهو افتراء مبين؛ ذلك أن المسلمين هم المضطهدون في كل بقاع العالم، وهم الذين يتعرضون للظلم والعدوان والقتل من كل من هب ودب. وحتى في مصر بينما يحظى النصاري بكل حقوقهم وما يفوق حتى حقوقهم، فإن المسلمين يتعرضون لاضطهاد مبين منذ انقلاب 23 يوليو 1952م وسيطرة العسكر على الحكم وإقامة نظام حكم جبري.

الملاحظة الثالثة، أن الجديد في تصريحات السيسي هذه المرة أنه ضم النصاري حتى لا يتم توظيف تصريحاته باعتبارها عداء صارخا للإسلام والمسلمين. لا سيما في أعقاب حملة هدم المساجد في 2020م بدعوى أنها بينت بالمخالفة للقانون في الوقت الذي سن فيه النظام قانونا خاصا لتقنين الكنائس المخالفة (القانون رقم 80 لسنة 2016م) في تمييز فاضح واضطهاد لا يخفى إلا على السفهاء والجهلة من الناس. فلماذا لا يتم التعامل مع المساجد المخالفة كما يجري مع الكنائس المخالفة؟ لماذا تهدم المساجد وتقنن الكنائس؟ لماذا هذا الاضطهاد الديني ضد المسلمين في بلد يفترض أنه مسلم وينص دستوره على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟! هذه الازدواجية من النظام تجاه دور العبادة لا تتوقف عند تقنين الكنائس وهدم المساجد في مشهد عنصري بالغ الإساءة للإسلام والمسلمين بل يمتد إلى التعامل بشكل عام؛ فبينما يستبيح السيسي وأجهزته الأمنية المساجد ولا يرى لها ولا لأئمتها حرمة ويسمح لأجهزته الأمنية باقتحامها متى شاءت وكيف شاءت، فإنه شديد التبجيل والاحترام لدور العبادة الخاصة بالأقباط واليهود.

وعندما أجرى الجيش مناورة تدريبية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016م خلال حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية، وكانت الصدمة المدوية أن  التدريب الأساسي لهؤلاء الطلاب المتخرجين حديثا من القوات الجوية  هو استهداف مجسم لمسجد بكامل تفاصيله!  وحين أبدى المسلمون استياءهم من هذه "الإهانة الصادمة" لم يكترث رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وقادة الجيش الذين كانوا شهودا على الجريمة؛ ولم يقدم نظام الانقلاب ولا المؤسسة العسكرية المصرية اعتذارا عن هذه الإساءة وتلك الجريمة، وراحت ألآلة الإعلامية لنظام العسكر في مصر تبرر هذه الخطيئة بأنها جزء من تدريب الجنود على قصف المساجد التي يتحصن بها الإرهابيون حتى تزول الرهبة من نفوسهم، لكن الرسالة كانت قد وصلت في تأكيد على أن الانقلاب قد طال كل شيء في البلاد فهو انقلاب على الإسلام بدعوى الحرب على الإرهاب، بذات القدر الذي مثل فيه انقلابا على المسار السياسي الديمقراطي الذي أنتجته ثورة يناير 2011م.

حرب السيسي على الإسلام لم تتوقف على الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في مصر على يديه، بل امتد إلى التحريض على المسلمين في أوروبا، حيث حرَّض الدول الغربية على حصار المساجد في بلادها وذلك أثناء مشاركته في قمة ميونيخ للأمن التي انعقدت في ألمانيا في فبراير 2019م، وطالبه الأوروبيين بمراقبة المساجد، وقال إنه دأب في لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين أو من أي دولة أخرى على حثهم على الانتباه لما ينشر في دور العبادة الخاصة بالمسلمين. وربط السيسي ذلك بالحرب على ما يسمى بالإرهاب، وهو ما يتسق مع تصورات السيسي المشوهة عن الإسلام والمساجد باعتبارها أوكار لتفريخ الإرهابيين وليست دور عبادة تسمو بالروح وتهذب السلوك.

الملاحظة الرابعة، هي مغزى التوقيت؛ ذلك أن السيسي قد يمهد بهذه التصريحات نحو إلغاء خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي، وهو مطلب قديم للكنيسة من جهة وبعض المنظمات الحقوقية المرتبطة بالغرب من جهة أخرى؛ وهي التصريحات التي تتزامن مع تحركات نظام السيسي من أجل فك التجميد عن 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأميركية للجيش المصري والتي رهنتها الخارجية الأميركية بمدى التحسن في ملف حقوق الإنسان، وهو ما ستبت فيه الخارجية الأميركية نهاية سبتمبر 2021م.  من جانب آخر فإن تصريحات السيسي شجعت محامي الكنيسة نجيب جبرائيل على رفع دعوى قضائية يطالب فيها بإلغاء خانة الديانة رغم أن ذلك جزء أصيل من شخصية المصري، والنصاري أنفسهم يعتزون بخصوصيتهم الدينية ويدقون الصليب على أيديهم كشكل من أشكال التمييز الديني والطائفي دون أن يوقفوا هم هذا الإجراء لكنهم يطالبون بإلغاء خانة الديانة!

الملاحظة  الخامسة، أن هذه التصريحات قد تستهدف إرضاء الغرب من جهة وقد تكون شكلا من أشكال البيزنس وسبيلا نحو نهب عدة مليارات من جيوب المصريين من جهة أخرى، فمصر لم تكن تعرف صلاحية للبطاقة، فهي سارية حتى تجدد، وتبدأ بطاقة شخصية، وبعد الزواج تجدد لبطاقة عائلية، ثم يكون تغييرها إذا استدعت الحاجة لتغيير بعض بياناتها، كمحل الإقامة، أو المهنة. لكن، البطاقة الجديدة، أو ما يسمى بالرقم القومي، مدة صلاحيتها محددة، وإن لم يطرأ طارئ يستدعي تغييرها، والهدف من هذا هو جني المزيد من الأموال من المواطنين، مع أن شيئاً لا يكون قد تغير، فالرقم القومي ثابت، وكذلك الاسم وتاريخ الميلاد، ثم إن الانسان لا تتغير صورته كل سبع سنوات، هذا فضلا عن أن صور الرقم القومي هي من أردأ الصور، ولا يمكن التعرف على الشخص من خلالها أبداً، ولو التقطت في الحال!

وكانت شهادات الميلاد الورقية، تستخدم للإنسان مدى الحياة، في كل المهام المطلوبة من أول التقديم للدراسة، وتنتقل نفس النسخة وربما صورة طبق الأصل منها، معه في كل مراحل التعليم، وفي استخراج البطاقة وفي الزواج والطلاق، لكن البطاقة المميكنة حالياً ينتهي مفعولها بعد ستة أشهر، ليتم استخراج شهادة أخرى مع كل مهمة جديدة، وتعد الثانوية العامة "فاتحة خير" على السلطة، فالتقديم للجامعة يلزمه شهادة جديدة، كما يلزمه استخراج شهادة قيد عائلي بالإضافة إلى أن تكون البطاقة صالحة! ولا شك أن إلغاء خانة الديانة سيرتب دخلا كبيرا للسلطة بعد توقف الدعم الإقليمي، فالبطاقة تتراوح رسومها بين 45، و120، و170 جنيها، بحسب سرعة إنجازها، واستخراجها يستدعي وجود شهادة ميلاد سارية تكلفتها رسوماً وتوثيقاً مائتا جنيه، وفي بعض الحالات قد يحتاج إلى شهادة قيد عائلي بنفس التكلفة استخراجا وتوثيقا!