خلصت دراسة تحليلية إلى ثلاثة أمور مهمة في تقييم قرار البرلمان الأوروبي اتخاذ خطوات جادة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وأولها: أن الاتحاد الأوروبي يركز في دفاعه عن حقوق الإنسان على المعارضين من غير الإخوان، وهو ما يتمثل في عدم اشتمال الأسماء التى ذكرها البيان عن المدافعين عن حقوق الإنسان، التي يطالب البرلمان الأوروبي بالإفراج عنهم على أي اسم من الإخوان.
وأن الخبرة التاريخية القصيرة تشير إلى أن السياسات الأوروبية تجاه مصر تعمل على تغليب مصالحها على انتهاكات حقوق الإنسان. فمع انقلاب الجيش في مصر على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي في 3 يوليو 2013، توقع كثيرون أن يدافع الاتحاد الأوروبي عن حقوق الإنسان مع تعاظم الانتهاكات؛ لكن قام الأوروبيون على العكس بتوثيق علاقتهم مع نظام السيسي والدفاع عن قمعه مقابل مصالحهم ودور مصر في محاربة الإرهاب ومنع الهجرة غير الشرعية، وصفقات السلاح.
مصالح خاصة
وأضافت الدراسة أن ثاني أولويات "الاتحاد الأوروبي" في تناول القضايا الحقوقية وهو الاعتناء بما "يتصل به بصورة مباشرة، سواء كانت منظمات مدعومة أوروبيا مثل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أو مقتل مواطنين أوروبيين مثل ريجيني".
وأشارت الدراسة إلى أن "مثل هذه التقارير ليست لها صفة الإلزامية، فقرارات البرلمان الأوروبي بشأن السياسة الخارجية للاتحاد غير ملزمة، بل إنه وفي ظل هذه التقارير زادت دول أوروبية من علاقاتها الخارجية مع مصر".
قرار مستبعد التطبيق
واستعرضت الدراسة التي جاءت بعنوان "هل يتم تنفيذ قرار البرلمان الأوروبي بفرض عقوبات على مصر؟ " الأسباب التي معها استبعدت تنفيذ قرار البرلمان الأوروبي الذي صدر في 18 ديسمبر 2020، على مشروع قرار يطالب المؤسسات الأوروبية بخطوات جادة لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وقد صدر قرار البرلمان الأوروبي عن النظام المصري بأغلبية كبيرة حيث صوت لصالح القرار 434 من أعضاء البرلمان، واعترض عليه 49 عضوا وامتنع 202 عن التصويت.
أما أسباب الاستبعاد فكانت أربعة هي؛ امتلاك مصر أوراق ضغط على الاتحاد الأوروبي والدول التى تطالب بفرض عقوبات عليها. فعندما لجأت روما إلى الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على مصر لعدم تعاونها في قضية ريجينى، لجأت القاهرة هى الأخرى لفتح وتدويل قضية سرقة الآثار المصرية من قبل الدبلوماسيين الإيطاليين.
واتهمت سلطات الانقلاب في 17 ديسمبر 2020، الحكومة الإيطالية بسرعة الاستجابة وتسليم الدبلوماسيين السابقين بسفارتها في القاهرة، لتنفيذ حكم صادر بحبسهم بالسجن المشدد 15 عاما لإدانتهم بنهب آثار مصر. ومن بين هؤلاء الدبلوماسيين لادسلاف أوتكر سكاكال الذي شغل منصب القنصل السابق لإيطاليا في القاهرة، لتهريبه قرابة 22 ألف قطعة أثرية إلى بلاده خلال عامي 2016 و2018، من خلال حاويات البعثة الدبلوماسية.
وأضاف أن المراقبين يرون أن تدويل القضيتين يحقق لكل طرف مصالح معينة، فالقاهرة من حقها مقايضة روما بتسليم الدبلوماسيين مقابل التجاوب مع غلق قضية الضباط الأربعة، وفي حال رفضها (روما) التعاون في هذا المسار، وهذا متوقع بقوة، فإن القاهرة يحق لها الامتناع عن التعاون قضائيا، لأن الطرف الآخر يتعامل بالمثل.
مصالح إيطاليا
وأضافت أن هناك مجموعة من المصالح التي تسعى إيطاليا للحفاظ عليها داخل مصر، وتتمثل أهمها فى:
1- استحواذ شركة إيني للبترول، المملوكة للدولة الإيطالية بالأساس، على النصيب الأكبر من حصة الغاز المصرى.
2- صفقات السلاح المبرمة مع مصر، ويلاحظ أن تلك الصفقات مضمونة من قبل إيطاليا، وهذا يعني أنه إذا لم تدفع مصر ثمن أي من مشترياتها من الأسلحة بما في ذلك السفن الحربية وجميع أنواع الأسلحة، فإن خزانة الدولة الإيطالية هي التي ستتولى دفع الفاتورة لشركات صناعة الأسلحة الإيطالية.
3- قضية احتجاز مائة صياد إيطالي من قبل المليشيات التابعة لخليفة حفتر المدعوم من مصر، حيث إن سعي الحكومة الإيطالية لإطلاق سراح صياديها سيتطلب التواصل مع الحكومة المصرية، وبالتالي تقديم تنازلات في قضية ريجيني.
بيانات ولاشئ
ورأت الدراسة أنه منذ 2015 أصدر البرلمان الأوروبي (الجهاز التشريعي) العديد من البيانات ضد انتهاكات النظام في مصر واقترح عقوبات، لكن رفض الاتحاد الأوروبي (الجهاز التنفيذي) تطبيقها.
من بين هذه القرارات ما صدر في 4 أكتوبر 2016، بحظر بيع أدوات تستخدم في التعذيب والإعدام بمصر، بأغلبية 612 صوتا مقابل 11 وامتناع 54 عن التصويت، وأيضا قراره في عام 2015، بحظر بيع وتصدير الأدوات المستخدمة في تنفيذ عقوبة الإعدام.
وقالت إنه سبق للبرلمان الأوروبي أن وافق بالإجماع في إبريل 2016 بأغلبية كبيرة ولم يرفضه سوى 10 أعضاء من أصل 598 عضوا على قرار يطالب البرلمان المصري بإجراء مراجعة عاجلة للتشريعات التي "تنتهك الدستور" مثل قانون الإرهاب، وقانون الكيانات الإرهابية، وقانون التظاهر.
حقوق الإنسان العربي
إلا أن هذه القرارات لم يتم تنفيذها من قبل القاهرة، ولم يقم الاتحاد الأوروبي بفرض أي عقوبات على مصر بل على العكس توطدت العلاقات بينهما.
وأشارت أيضا إلى دراسة أصدرها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، في 8 أغسطس 2018، بعنوان: حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، والتى تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتزم دعم الديمقراطيات "في حال ظهورها في المنطقة العربية، لكنه لن يحاول الضغط على حكومات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تنتهج القمع والثورة المضادة". ومن ثم فهم يرون أنه رغم أن الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي الفساد، وضعف التنمية الاجتماعية والاقتصادية والفرص المتاحة للشباب، وغياب العدالة الاجتماعية، وهذه المشاكل تؤجج التشدد والاحتجاج والتطرف العنيف، إلا أن “الاستقرار” أهم وهو ما تحققه الأنظمة القمعية مثل نظام السيسي.
اليمين الأوروبي
أما ثالث الأسباب فهو تصاعد أحزاب اليمين ويمين الوسط في أوروبا، وأوضحت الدراسة أن هذه الأحزاب تتبنى نمط ثابت لاسترضاء الأنظمة الاستبدادية التي تُعتبر "صديقة"، مثل مصر والسعودية والإمارات والبحرين. وفي الأشهر القليلة الماضية فقط، صوتت هذه القوى ضد قرارات وقف مبيعات الأسلحة من الاتحاد الأوروبي إلى السعودية والإمارات، بالرغم من استمرار الحرب الوحشية في اليمن. كما عارضوا الدعوات لوقف صادرات تكنولوجيا المراقبة التي تستخدم لتعقب وإسكات المعارضين في تلك البلدان، وكذلك في مصر والبحرين.
وقالت إن أقوى المدافعين عن هذه الأنظمة أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ينتشر فيها الإسلاموفوبيا، مثل التجمع الوطني الفرنسي، والديمقراطيين السويديين، وهو حزب له جذور نازية، وحزب فرانكو الإسباني الجديد "فوكس"، وإيطاليا ليجا.
روسيا والصين
وأشارت إلى مثال واضح لعدم قطع العلاقة بسبب حقوق الإنسان وهو روسيا والصين مبينة أن "الدول الأوروبية" لم تقطع علاقاتها مع روسيا أو الصين بسبب تجاوزات حقوق الإنسان في أي منهما، وهي كثيرة ومتنوعة، ما يعنى أن قضايا حقوق الإنسان تراجعت بصورة كبيرة في تحديد طبيعة العلاقات بين الدول الغربية وغيرها من الدول.
أضف إلى ذلك أن أي ضغط قد تمارسه الدول الأوروبية على مصر قد يدفعها نحو توثيق علاقاتها مع كل من بكين وموسكو على حساب علاقاتها مع الدول الأوروبية.