“سنمزق الخرائط التي فُرضت علينا”.. من أين يأتي أردوغان بكل هذه الثقة أمام الأوروبيين؟

- ‎فيتقارير

تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم السبت 5 سبتمبر 2020م التي يؤكد فيها أن تركيا تملك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تمكنها من تمزيق الخرائط والوثائق المجحفة التي تفرض عليها، أثارت رعبا كبيرا في الأوساط اليونانية على وجه الخصوص والأوروبية على وجه العموم، في ظل توتر العلاقات مع  أثينا حول ثروات الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط.

تصريحات الرئيس التركي جاءت عشية بدء الجيش التركي مناورات عسكرية في المنطقة تحت اسم "عاصفة البحر الأبيض المتوسط"، وذلك بين 6 و10 سبتمبر 2020.  حيث شدد أردوغان خلال مشاركته في افتتاح "مدينة البروفيسور سليمان يالتشين الطبية"، في إسطنبول على أن تركيا القوية مستعدة لكافة أشكال التقاسم العادل للثروات شرق المتوسط شرط أن يكون عادلاً.

وشدد على أن تركيا وشعبها مستعدان لأي سيناريو (في شرق المتوسط) والنتائج المترتبة عليه، وأشار إلى أنّ بلاده أصبحت تعي أكثر، أهمية ما وصلت إليه من تقدم في الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا والصادرات والصناعات الدفاعية والخدمات العامة، بعد كل هجمة تتلقاها أو أزمة تتعرض لها.

وحصر الرئيس التركي جوهر الأزمة في أنّ بعض الدول لا تعترف بحقوق تركيا، وترى نفسها أعلى درجة منها. وعلى هؤلاء "إما أن يفهموا بلغة السياسة والدبلوماسية، أو بالتجارب المريرة التي سيعيشونها في الميدان". وشدد أردوغان على عدم وجود أي قوة بإمكانها الوقوف أمام شعب يرى الكفاح والشهادة أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها.

من أين كل هذه الثقة؟

وتعزو وكالة Bloomberg الأمريكية المتخصصة في الشأن الاقتصادي الثقة التي يتحدث بها الرئيس التركي إلى أن القوات البحرية التركية باتت تعتمد في تسليحها على الإنتاج المحلي بشكل كبير، كما أصبحت في الوقت ذاته الأداة الرئيسية بيد أنقرة في المنافسة التي مع خصومها التاريخيين في الغرب على مياه المتوسط. وتشير إلى أن جذور التوترات بين تركيا والغرب خاصة اليونان أعمق من ذلك، فهي نابعة من رفض أنقرة لمحاولة تهميشها من قبل الغرب في المتوسط، وهذا ما دفعها للتلويح بسلاحها البحري القوي.

وتؤكد الوكالة الأمريكية أن نمو القوة البحرية التركية يكشف عن حجم طموح الرئيس رجب طيب أردوغان لتعزيز مصالح أمته والتأكيد على أنها قوة إقليمية إسلامية على وجه التحديد، قادرة على التعامل مع أوروبا وروسيا والولايات المتحدة.

وترى  الوكالة الأمريكية أن ما تملكه البحرية التركية من سفن حربية وغواصات جديدة مُنتَجة محلياً، ساعدت الرئيس التركي بالفعل على استعراض قوة تركيا في الخارج بنجاح أثار دهشة الدول الساحلية الأخرى وأزعجها. وهناك فرقاطات أكبر في طور الإعداد، وبحلول العام المقبل، ستلتحق بالقوات البحرية حاملة طائرات خفيفة بسعة 27 ألف طن (تنتج بالتعاون مع إسبانيا).

نحو الاستقلال الاستراتيجي

وتنقل "بلومبرج" عن ريان جينجيراس، الأستاذ في قسم شئون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية بكاليفورنيا والمتخصص في الشئون البحرية التركية: قوله إن "تركيا هي القوة الأعظم في شرق البحر المتوسط ​​ويجب التعامل معها على هذا النحو. وهي ترى نفسها محاطة بمنافسين وخصوم وتلوح بالقوة لإثبات نفسها؛ لأنها تستطيع ذلك".

ويضيف أن الازدهار في أحواض بناء السفن البحرية التركية يعتبر جزءاً من توسع أكبر في صناعة الأسلحة محلياً -بدايةً من السفن الحربية إلى المروحيات الهجومية إلى الطائرات المسلحة بدون طيار- بهدف الحصول على ما يسميه المسؤولون الأتراك "الاستقلال الاستراتيجي" عن الموردين الغربيين، الذين يُنظَر إليهم الآن على أنهم منافسون أكثر من شركاء.

ويرى جينجيراس أن الرئيس التركي يستهدف أن تكون تركيا قادرة بحلول عام 2023، الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، على إنتاج جميع أسلحتها. لكنه يستدرك بالتأكيد على وجود عدة عقبات في هذا الطريق تتعلق بمدى قدرة الاقتصاد التركي البالغ نحو 750 مليار دولار على الحفاظ على طموحاته في أن يصبح قوة عظمى في ظل المناخ الحالي. إضافة إلى ذلك، يهدد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على أنشطة تركيا في المنطقة.

ومع ذلك، شق الجيش التركي طريقه بالقوة إلى شمال سوريا، ليضمن مقعداً على طاولة الحوار عن التطورات هناك. وفي ليبيا، ساعدت السفن الحربية التركية في إمداد ودعم الحكومة المُحاصَرة في طرابلس، وقلبت مسار الحرب الأهلية لصالحها. إلى جانب ذلك، أصبحت الأساطيل البحرية التركية ترافق سفن الأبحاث السيزمية دورياً إلى المياه التي تطالب بها اليونان والقبرصية أثناء استكشافها للغاز.

وتعزيزا لهذه الثقة كان الرئيس التركي قد هدد في خطاب ألقاه في 26 أغسطس 2020م بمناسبة إحياء ذكرى انتصار السلاجقة الترك على الإمبراطورية البيزنطية اليونانية لأول مرة في معركة ملاذكرد عام 1071: "ستحصل تركيا على نصيبها العادل في البحر المتوسط ​​وبحر إيجة والبحر الأسود. إذا قلنا سنفعل شيئاً ما، فسنفعله، وسندفع الثمن"، متحدياً أية دولة تتجرأ على الوقوف في طريقه.