يمثل تجميد برلمان الدم تمرير مشروع قانون "دار الإفتاء" في نظر البعض انتصارا للأزهر ومشيخته على السيسي وأجهزته الأمنية التي تعمل بإصرار على تقليص دور الأزهر وتفكيكه وخلق كيانات موازية ومنحها صلاحيات الأزهر واختصاصاته. بينما يرى آخرون أن ما جرى هو مجرد تأجيل للصدام إلى تشكيلة المجلس الجديد خصوصا بعدما تم تحديد موعد مسرحية انتخابات البرلمان خلال شهري أكتوبر ونوفمبر المقبلين.
وكان مجلس نواب العسكر قد أعاد الاثنين 24 أغسطس 2020م، مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء المصرية الذي كان مطروحاً للتصويت عليه، إلى لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بالمجلس بعدما أثار الكثير من الجدل، وقرر تأجيل مناقشته، ما يعني تأجيله إلى دورة انعقاد جديدة بعد مسرحية الانتخابات المقبلة وتشكيلة المجلس الجديدة.
وعبّر مغردون عن ترحيبهم بتعليق تمرير مشروع قانون دار الإفتاء، والذي كان سيجعل الإفتاء تابعة لوزارة العدل ومجلس الوزراء وليس الأزهر، وانتهت بسحب مناقشته، بعد أن طلب الطيب حضور المناقشة بنفسه. واعتبر مغردون ما جرى جزءاً من صراع واضح، كانت بدايته الجملة الشهيرة "أتعبتني يا مولانا". وتصدر اسم شيخ الأزهر قائمة الأكثر تداولا المصرية، مع تغريدات تعددت وجهات نظرها، مع غياب واضح للأذرع الإعلامية عن المشهد، وتجاهل برامج التوك شو القضية برمتها، ومشاركة ضعيفة من الكتائب الإلكترونية، حاولت خلالها أن تدافع عن السيسي.
ويستهدف مشروع القانون إنشاء كيان موازٍ للأزهر، وتهميشه، وتفريغ دوره لصالح كيان دار الإفتاء الخاضع لأمر السلطة التنفيذية، والاعتداء على اختصاص هيئة كبار العلماء بالأزهر، واستقلالها، في ما يخص ترشيح الهيئة لمفتي الجمهورية، من خلال منح الفتوى الشرعية لأحد الوزراء في السلطة التنفيذية، وتخويله سلطة ندب من يحل محله عند خلوّ منصبه، بما يؤكد زوال جميع الضمانات التي كفلها الدستور والقانون لاستقلال الأزهر وهيئاته، وإسناد رسالته إلى أحد أعضاء الحكومة.
ويُنهي التشريع أيضاً طريقة انتخاب المفتي من خلال اقتراع سري مباشر، يصوت فيه أعضاء الهيئة التي يترأسها شيخ الأزهر، ويؤسس لآلية جديدة توقف سلطتها عند اختيار ثلاثة مرشحين للمنصب من داخل الهيئة أو من خارجها، ورفع ترشيحاتها إلى رئيس الجمهورية الذي منحه التشريع السلطة المطلقة في الاختيار من بين المرشحين الثلاثة، فضلاً عن الحق في التمديد للمفتي بعد أن يبلغ السن القانونية، إيذاناً باستمرار المفتي الحالي، شوقي علام، في منصبه بعد وصوله إلى سن الستين.
أسباب التجميد
ويمكن عزو ترجيح أجهزة السيسي الأمنية للصدام مع مشيخة الأزهر في هذا التوقيت لعدة أسباب واعتبارات.
أولا، مخالفة مشروع القانون للدستور وهو ما أكدت عليه ملاحظات مجلس الدولة التي كشفت العوار الدستوري الذي تنطوي عليه مواد مشروع القانون التي تقلص صلاحيات الأزهر لحساب دار الإفتاء التي يراد لها أن تكون بديلا للأزهر ومشيخته وهيئة كبار علمائه. وامتنعت غالبية الصحف والمواقع المحلية في مصر عن نشر ردّ قسم التشريع في مجلس الدولة بشأن مشروع القانون، استجابة لتعليمات صادرة عن أجهزة أمنية، الذي شدد فيه على عدم دستورية المشروع لمخالفته المواد أرقام 2 و7 و8 و15 من الدستور، والمادة (32 مكرر) من القانون 103 لسنة 1961 وتعديلاته، التي تؤكد أن الأزهر هو "المرجع الأساسي" الذي يجب أن تُرد إليه كل فتاوى دار الإفتاء، بوصفها مظهراً تطبيقياً للعلوم الدينية، والشؤون الإسلامية. ورفض مجلس الدولة ما أقره مشروع القانون من سحب اختصاص الفتوى من الأزهر لصالح دار الإفتاء، نظراً لأنها أداة من أدوات نشر علوم الدين في مصر والعالم، وهذا هو شأن الأزهر الشريف، وإلا فإنها ستقوم على غير أساس مفتقدة مرجعها الأساسي، مشيراً إلى أنه ليس من المستساغ دستورياً وقانونياً أن يأتي المشرع العادي بأداة أدنى من الدستور، لينال من الاختصاص الذي حدده الدستور للأزهر، ويعهد به إلى جهة وهيئة أخرى.
ثانيا، أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أرسل خطاباً، اﻷحد 23 أغسطس 2020م، إلى رئيس مجلس النواب، طالباً فيه حضور الجلسة العامة المنعقدة لمناقشة مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء، في حال الإصرار على إقرار هذا المشروع رغم ما به من عوار دستوري، وذلك وفاءً بالأمانة التي أولاها الله تعالى له، وعرض رؤية الأزهر في ذلك المشروع الذي من شأن إقراره أن يخلق كياناً موازياً لهيئات الأزهر، ويجتزئ رسالته، ويُقوِّض من اختصاصات هيئاته. حيث أكد شيخ الأزهر، في بيان له، أن الدستور جعل الأزهر -دون غيره- المرجع الأساس في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، والمسؤول عن الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، مؤكداً أنه من المسلَّم به أنَّ الفتوى الشرعية من الشؤون الإسلامية وعلوم الدين التي يرجع الأمر فيها لرقابة الأزهر الشريف ومراجعته. بيان الأزهر الذي نشره موقع صحيفة "الشروق"، قال فيه شيخ الأزهر إنه تمت الإشارة مسبقاً من خلال المكاتبات، إلى تحفُّظ الأزهر الشريف على مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء، فيما تضمَّنه من تعارضٍ مع نص المادة السابعة من الدستور ومع قانون الأزهر القائم، ومع اختصاصاته الثابتة عبر مئات السنين من خلال القوانين المتعاقبة، وشرح مبررات هذا التحفظ. كما أرفق شيخ الأزهر بالخطاب، رأي هيئة كبار العلماء في مشروع القانون، وكذلك صورة التقرير المتداوَل لقسم التشريع بمجلس الدولة.
ثالثا، يبدو أن صمت الأزهر على اتفاق التطبيع الإماراتي مثل شيئا من صفقة سرية جرى بموجبها تجميد تمرير مشروع قانون دار الإفتاء في مقابل صمت الأزهر على اتفاق التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني. وهو الصمت الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول أسبابه رغم أن الأزهر ومشيخته لهما باع طويل في دعم القضية الفلسطينية.