في الوقت الذي بدأ السيسي عهده الانقلابي باتهام من سبقوه بأنهم حوّلوا مصر إلى دولة فاشلة، وأنها شبه دولة وأنه سيعمل على إصلاحها، توالت وتكررت القرارات والسياسات التي قزّمت مصر وأهانتها كدولة لها تاريخ وحضارة.
وتسبّبت قرارات السيسي في فقدان مصر الكثير من أراضيها وحدودها المائية، بل فقدان شريانها المائي، نهر النيل، وغيرها من المكانة التي تراجعت بعهد الانقلاب العسكري.
إلى أن جاء وباء كورونا ليكشف الكثير من العوار السياسي والإداري الذي تُسببه سياسات السيسي، والتي تفاقم أزمات الدولة والمواطنين، وتنزع عن مصر أي صفة متعلّقة بالدولة، سواء أكانت شبه دولة أو غيرها، حتى باتت مجرد عزبة أو سبوبة كبيرة يتصرف بها السيسي وعصابته، من أجل التربح والتكسب.
كما أنه لم يشغل خاطره بمصير 100 مليون يتهددهم الموت مرضا أو جوعا أو عطشا، بل خرج ليبشرنا باستمرار معركته الوهمية في محاربة الأشرار، والأشرار في قاموس السيسي ليسوا هم فقط الإخوان أو الإسلاميين ولا حتى الليبراليين أو الناصريين أو الشيوعيين، بل هم هؤلاء جميعا، كل من يعارضه أو يخالفه أو لا يقبل بالهزل الذي يمارسه.
وخاطب أيمن نور “السيسي” قائلا: “إنك تلعب بالنار بخلط الأوراق بين الخلاف في الرأي، وبين إرهاب أو عنف يستهجنه الجميع، وترتكب بغير مسئولية جريمة التحريض على الكراهية، والفُرقة والانقسام المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد”.
وتابع: “إنك لا تريد أن تفهم أنه لا توجد بلاد بلا خلاف في الرأي أو الفكر، ويبقى دائما الخلاف أمرا صحيا إذا ما توفر له مناخ ديمقراطي وعقد اجتماعي مُلزم للجميع، لا يقبل بإقصاء طرف، ولا يربط حقوق المواطنة برغبة حاكم لا يعرف للعدل والحق سبيلا.
وأضاف، في بيان له مؤخرا: “إن رفضك لكل إصلاح أو مصالحة لا يتصادم فقط مع المبادئ والعقل والمنطق والأخلاق والدين، بل أيضا مع نصوص الدستور الذي وضعته وخاصة (المادة 241) التي تُلزمك بوضع أطر حقيقية للمصالحة الوطنية والالتزام بها. إنك تخون الدستور الذي أقسمت عليه”.
حفلة كورونا
وفي لقاء السيسي بقياداته العسكرية، الثلاثاء الماضي، دمر السيسي قواعد العمل السياسي والإداري، بل وأُسس الدولة المصرية. حيث أراد السيسي أن يقول إن الجيش والسيسي هو من يقود الدولة ولا مكان لمدني فيها، فأجلس السيسي وزيرة الصحة التي من المفترض أن تكون في المقدمة وتتحدث عن الكارثة والأداء والمستلزمات والاحتياجات التي تنقصها، في نهاية القاعة، دون أن تنطق بكلمة، وحاول السيسي الظهور بمشهد البطولة بأن كل شيء تمام، وأن الأمور تحت السيطرة.
وتناسى السيسي انهيار منظومة الطب ومعاناة الجيش الأبيض مع نقص الأمصال والأدوية والمعقمات، وراح يؤكد أن لديه مخزونا غير معلوم لأحد سيستخدمه وقت الحاجة، وأن هناك 6 مستشفيات عسكرية جاهزة دون أن يعلن عن تفاصيلها.
“بهاء” كلمة السر
وفي نفس السياق، أثارت تصريحات غامضة للسيسي عن وجود احتياطي للمستلزمات الطبية في مصر غير الموجودة لدى وزارة الصحة والقوات المسلحة، وتوجيهه الحديث لشخص يدعى “بهاء”، بعدم التصرف في شيء من الاحتياطي لديه إلا بعد الرجوع إليه شخصيا، جدلا كبيرا على مواقع التواصل.
وقال السيسي، في مؤتمره: “أنا بقول لكم متقلقوش عندنا احتياطي كفاية مش قصدي احتياطي وزارة الصحة أو الدولة أو حتى احتياطي الجيش لا أبدا”. حيث انتشرت تساؤلات حول شخصية “بهاء”، وما هي وظيفته التي تخول له السيطرة على مخزون غير معروف من المستلزمات الطبية خلال هذه الأزمة.
هو اللواء “بهاء الدين زيدان”، مدير مجمع الجلاء الطبي للقوات المسلحة، ورئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية، والتي أصدر “السيسي” قانونا بإنشائها في أغسطس الماضي ..
وتتولى هذه الهيئة، دون غيرها، إجراء عمليات الشراء للمستحضرات والمستلزمات الطبية لجميع الجهات والهيئات الحكومية، كما تتولى أيضا إعداد الموازنة التقديرية السنوية اللازمة للشراء، وكذلك إعداد خطط وبرامج وقواعد التدبير والشراء الموحد من الداخل والخارج.
ومن مهام الهيئة كذلك، “التعاقد مع الشركات لشراء المستلزمات الطبية وإدارة تخزينها ونقلها وتوزيعها، وكذلك التنسيق مع الشركات الطبية لتعزيز المخزون الاستراتيجي الطبي للدولة لمواجهة أي ظروف استثنائية”.
كما تختص بوضع الإجراءات والتدابير الضرورية لمواجهة حالات الطوارئ بالتنسيق مع باقي الجهات المعنية.
تراجع مستمر
وفي سياق تحويل مصر إلى سبوبة، كشف مصدر بشركة مطار القاهرة للشحن الجوي، عن أن مصر تقوم بتوريد الطعام لدول الخليج وعدد كبير من الدول الأوربية، منها ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بعد توقف غالبية منافسيها في تصدير الغذاء، جراء تفشى وباء كورونا.
ونقلت صحيفة “اليوم السابع” عن المصدر، قوله إن خطوط الطيران الخاصة بنقل الركاب قد بدأ تشغيلها كطائرات شحن، ومن بينها “مصر للطيران”.
وأوضح المصدر أن هذه الطائرات يتم استخدام أماكن الشحن الخاص بها والتي كانت تستخدم لوضع حقائب وأغراض الركاب، كما تدرس حاليا إمكانية استخدام الكابينة الخاصة بالركاب للاستفادة بأكبر مساحة ممكنة من الطائرات.
وحسب المصدر ذاته، فإن مصر تقوم بتصدير الخضار والفاكهة بشكل منتظم منذ تعليق حركة الطيران بحوالي 150 طنا يوميا، موضحا أن طائرة الشحن الجوي الخاصة بالبضائع تبلغ حمولتها 100 طن في حين تستطيع طائرات الركاب أن تستوعب حمولة 30 طن بضائع خلال رحلتها. يأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه مصر من ارتفاع أسعار السلع الغذائية وخاصة الخضر والفاكهة.
وقبل نحو أسبوعين، قال خبير اقتصادي كبير في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”، ومحللون زراعيون، إن عمليات الإغلاق وحمى شراء الأغذية، تخوفا من تفشي وباء “كورونا”، يمكن أن تتسبب في تضخم أسعار الغذاء عالميا، على الرغم من وجود إمدادات وفيرة من الحبوب الأساسية والبذور الزيتية في الدول المصدرة الرئيسية.
وقبل ذلك، قدّم السيسي جزيرتي تيران وصنافير للسعودية من أجل “الرز الخليجي”، كما قدّم نحو 42 ألف كم من حدود مصر البحرية في ترسيم للحدود مع قبرص نكاية في تركيا، وكذلك هجر آلاف المصريين، ودمر آلاف البيوت والمزارع في سيناء من أجل استرضاء إسرائيل، وقدم نهر النيل وحقوق مصر التاريخية فيه لإثيوبيا كي تعترف به إفريقيا، وتحوّل انقلابه العسكري إلى رئيس، وهو بذلك يقزم مصر ويحولها إلى أضحوكة للدول وليس شبه دولة فقط.
