في ظل السيطرة الإعلامية الطافحة على كافة وسائل الإعلام، ومطاردة النشطاء ومراقبة الفيس بوك والتواصل الاجتماعي، ومن أجل تسويق الأكاذيب التي يريد النظام الانقلابي أن تمر على عقول المصريين لصناعة إنجازات وهمية لم تتحقق، حتى يكاد المصريون يؤمنون بأنهم قد هرموا من تلك الأكاذيب غير المسبوقة على عقولهم التي هرمت، من أجل لحظة الحقيقة التي باتت بعيدة المنال في ظل فشل اقتصادي يجري تسويقه على أنه إنجاز.
فتحْت عنوان “الفائض الأولى إنجاز حكومي تحقق بعد 10 سنوات.. تعرف عليه”، طالعت وسائل إعلام السيسي المصريين، الخميس الماضي، بتلك الكلمات.
وقال بيان وزير المالية، إنه “للمرة الأولى منذ 10 سنوات، حققت الموازنة العامة فائضًا أوليًّا بقيمة 1.9 مليار جنيه، خلال فترة 11 شهرا من السنة المالية الحالية (يوليو– مايو) 2017/2018، بعد أن كانت الموازنة تحقق عجزًا أوليًّا متواصلًا خلال تلك السنوات، بلغ 47 مليار جنيه فى الفترة المماثلة من العام الماضى”.
خداع الكلمات والأرقام المعلنة
وبحسب حكومة السيسي، فإن العجز الأوّلي هو الفرق بين الإيرادات التى تحققها الموازنة والمصروفات التى تنفقها بعد استبعاد الفوائد. أهمية هذا الحساب أنه يقيس قدرة المالية العامة على الاستدامة، بمعنى آخر مدى قدرة الإيرادات التي تحصلها الحكومة على سد نفقاتها المتمثلة في الأجور والدعم والاستثمارات وشراء السلع والخدمات والمصروفات الأخرى.
وبلا منطق اقتصادي، يُستبعد من هذا الحساب مصروفات الفوائد، أي أعباء خدمة الدين. بل الغريب أن الموازنة المصرية، خلال سنوات انقلاب السيسي، دخلت فى الدائرة المغلقة، بعجزٍ متزايد يقابله زيادة في الاقتراض لتغطية هذا العجز، وهكذا تدور الدائرة.
وفي إطار كذب الإبل المتصاعد، ورغم جميع البيانات لدى مؤسسات الدولة والمؤسسات المالية الدولية المانحة، التي تؤكد أنَّ الديون المصرية تتزايد بصورة غير مسبوقة عامًا بعد آخر، أرجع بيان مالية الانقلاب تلك النتائج الوهمية إلى خطة الإصلاح الاقتصادي التي انتهجتها الحكومة خلال العامين الماضيين، والتي كان الهدف الأول منها– بحسب البيان- تقليص عجز الموازنة لتخفيف العبء وتقليل حجم الاقتراض، بما ينعكس على تخفيض حجم الدين العام.
إلَّا أنَّ البيان الحكومي لم يذكر كم الديون والقروض التي تفاقمت على رؤوس المصريين حتى وصلت إلى أكثر من 108 مليارات دولار كديون خارجية في يوليو الماضي، وأكثر من 4.3 تريليون جنيه كديون داخلية.
وبحسب خبراء مقربين من السيسي، فإنه من المهم إعادة النظر بصورة مختلفة إلى سياسة التوسع بالاقتراض، سواء من الداخل عبر الأذون والسندات الحكومية، أو من الخارج بقروض أو بطرح سندات دولية بالعملة الأجنبية؛ لأن زيادة أعباء خدمة الدين بهذه الصورة الكبيرة من شأنها أن تضرب الاقتصاد في مقتل!.
ميزانية ميتة!
الطنطنة الإعلامية لنظام الانقلاب حول أرقام وهمية، سخر منها الخبير الدولي والأكاديمي “محمود وهبة”، الذي كتب على حسابه بفيس بوك: “الميزانية ميتة يا بتوع الفائض الأوّلي.. بمناسبة الفائض الأوّلي المزعوم بالميزانية”.
وساخرًا قال: “كما يُقال الضرب في الميت حرام، فإن ميزانية 2020/2019 مثل سابقتها ولاحقتها تولد ميتة. البقية في حياتك.. توفيت ميزانية 2020/2019 في ولادة متعثرة”، متابعا: “أغرب ميزانية في العالم ميزانية عام 2020/2019، تُبنى بدون حساب سداد الديون أو كلفة الفائدة عليها وتسمَّي ما تبقّى منها بالفائض الأوّلي”.
وذكر أنه “إذا حُسبت الديون بالميزانية ستجدها خاوية من المال قبل أن تُنشر، هل يمكن لربّة بيت أن تُخطط لميزانية المنزل من أول الشهر لآخر الشهر دون أن تأخذ ديونها في الاعتبار؟.. سيقال إنها مجنونة.. وأتحدى أي متخصص أن يجد الرقم الدقيق الذي سيُدفع لفوائد الديون في هذه الميزانية أو المبلغ الذي سيدفع لسداد الأقساط.. فهذه نشرة هدفها الأساسي المدح وعبادة الفرد وهو السيسي؛ لأنها تذكُر أن الميزانية بُنيت على توجيهاته”.
وبيّن أنه “رغم أنه لا توجد أموال بالميزانية إلا أنهم يضيعون الحبر والورق في تحليلات كيف يستفيد الشعب من هذا السراب، وكيف أن كل المؤشرات تتحسن “والاستصلاح” أو الخداع الاقتصادي ينجح.. ثم تكتب الأرقام للتمويه والتغطية، فهي مرة مطلقة دون إعطاء رقم للمقارنة، ومرة بالنسب فلا تعرف الحقيقة، فمثلا لو كان أحد بنود الميزانية 1 جنيه ثم ارتفع 300% فالناتج 3 جنيهات، وإذا كان البند 100 مليار جنيه وزاد 300% فهذا ينتج 300 مليار جنيه.. فاحذر عندما تقرأ نسبًا وتأكّد أن استخدامها سببه الوحيد هو التمويه ثم الخلط المتعمد بين الرقم الفعلي والرقم المرجو، أو تجريب الموضوع بحيث لا تعرف الشجرة من الغابة”.
وواصل العالم والخبير الدولي حديثه قائلا: “قلت أتحدّى أن يوثق أحد من الميزانية الرسمية أقساط القيود وفوائدها في ميزانية عام 2019/ 2020، والغريب أن مجلس الوزراء والبرلمان وافقا عليها.. من هم هؤلاء الناس؟ ولكن يمكن تقدير الديون من ميزانية العام الماضي، فقد بدأت الميزانية العام الماضي بتقدير مبلغ 819 مليار جنيه من إيرادات حجمها 989 مليار جنيه، فيتبقى حوالي 170 مليار جنيه، ولكني قدرت أن المبلغ الحقيقي لسداد القروض والفوائد تعدى الإيرادات وأصبحت الميزانية خاوية.. ولقد اعترف وزير المالية بأن المتبقي من الإيرادات أقل من 100 مليار جنيه فقط، وأنه يقترض المزيد ليدفع القروض.. شاهد هذا فهي لحظة صراحة غير معهودة”.
