تعيش الجامعات المصرية واحدة من أعقد أزماتها منذ عقود، بعدما تحولت قضية رواتب أعضاء هيئة التدريس من مجرد مطالب فئوية إلى صرخة تحذير من انهيار ركيزة أساسية في منظومة التعليم العالي، فمع كل إعلان حكومي عن زيادات جديدة لقطاعات مختلفة، في الحد الأدنى يتجدد شعور الأساتذة بأنهم خارج الحسابات، وأن تجاهل كادرهم لم يعد مجرد إغفال، بل أصبح سياسة مالية راسخة تتحمل نصف مسؤوليتها الجهات التنفيذية التي تصوغ الموازنات، ونصفها الآخر منظومة تشريعية جامدة لم تتغير منذ نصف قرن، هذا التجاهل المتكرر خلق حالة غضب غير مسبوقة داخل الحرم الجامعي، خصوصاً مع استمرار تدني الرواتب وتآكلها بفعل التضخم، وعدم رفع الحد الأدنى للأجور أسوة بباقي العاملين في الدولة.
تآكل الرواتب وتجميد البدلات
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقاً، لتكشف جانباً من عمق الأزمة، فقد أكد في تصريحات صحفية أن رواتب الأساتذة “تآكلت” بصورة خطيرة، وأن الزيادة الحكومية الأخيرة بنسبة 15% للعاملين بالدولة لم تمس جوهر المشكلة، لأنها لم تشمل رفع حافز الجودة أو البدلات التي تمثل الجزء الأكبر من الدخل الفعلي.
وأشار النجدي إلى أن استمرار حساب المكافآت على أساس رواتب 30 يونيو 2014، وفقاً لقانون 32 لسنة 2015، جعل الزيادات السنوية بلا قيمة تقريباً، حتى أصبح راتب المعيد الجديد قريباً من راتب عضو هيئة تدريس حاصل على الدكتوراه منذ سنوات.
وأضاف أن راتب الأستاذ الجامعي بعد أكثر من 15 عاماً في درجته العلمية لا يتجاوز في كثير من الأحيان 15 ألف جنيه، وهو مبلغ لا يتناسب مع مكانته العلمية، ولا مع متطلبات الحياة الحالية، محذراً من أن هذا الوضع يدفع الكفاءات إلى الهجرة ويهدد استقرار الجامعات.
الأساتذة خارج حسابات الزيادات
هذا الشعور بالتمييز يتكرر في تصريحات الدكتور محمد كمال، أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة، الذي أكد في تصريحات صحفية أن الحديث عن زيادات مرتقبة لبعض الفئات دون وضوح بشأن شمول أعضاء هيئة التدريس خلق حالة من القلق داخل الأوساط الأكاديمية.
وأوضح أن تجاهل الأساتذة في هذه الزيادات يثير تساؤلات حول العدالة الوظيفية، خصوصاً أن منظومة الأجور الجامعية ما زالت تعتمد على بدلات وحوافز تعود إلى قانون تنظيم الجامعات لعام 1972، دون أي مراعاة للتغيرات الاقتصادية الهائلة.
وأشار كمال إلى أن راتب الأستاذ الجامعي أصبح في بعض الأحيان أقل من رواتب العمال في قطاعات أخرى، وهو ما يعد مفارقة صادمة في دولة تسعى لتعزيز البحث العلمي.
وأضاف كمال أن اعتماد الجامعات على الموازنة العامة للدولة، التي تخصص جزءاً محدوداً لرواتب أعضاء هيئة التدريس، أدى إلى تآكل القوة الشرائية وضعف الموارد الذاتية، ما دفع أوائل الخريجين للعزوف عن التعيين، بينما هاجر عدد كبير من الكفاءات إلى جامعات عربية ودولية بحثاً عن فرص أفضل.
ورأى أن هذا النزيف المستمر للكفاءات يضعف البنية العلمية للجامعات المصرية ويؤثر سلباً على جودة التعليم والبحث العلمي، داعياً إلى اعتبار تمويل أعضاء هيئة التدريس استثماراً استراتيجياً وليس مجرد بند إنفاقي.
أعباء مهنية بلا مقابل وهجرة عقول متسارعة
من جانبه، يقدم الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، صورة أكثر تفصيلاً لمعاناة الأساتذة، مؤكداً في تصريحات صحفية أن عضو هيئة التدريس هو الفئة الوحيدة التي تمول تطويرها المهني من جيبها الخاص، سواء في إعداد الأبحاث أو نشرها دولياً بالدولار، مشيرا إلى أن الأساتذة يتحملون أيضاً رسوماً متزايدة مقابل إجراءات إدارية داخل الجامعة، في الوقت الذي توقفت فيه المكافآت عن المشاركة في اللجان، ما جعل الكثيرين عاجزين عن تلبية متطلبات المهنة.
وأضاف أن الفجوة بين الوجاهة الاجتماعية المفروضة على الأستاذ والواقع المعيشي المرير أصبحت فجوة مهينة، إذ يُتوقع من الأستاذ امتلاك سيارة ومظهر لائق وتعليم جيد لأبنائه، بينما يضطر كثيرون لاستخدام وسائل نقل شعبية ويعجزون عن تغطية نفقات المدارس.
وحذر شوقي من أن تدني الرواتب وعدم رفع الحد الأدنى أسوة بباقي العاملين دفع عدداً كبيراً من الأساتذة إلى الهجرة نحو جامعات تقدم رواتب تصل إلى عشرين ضعف ما يحصلون عليه في مصر، فضلاً عن توفير معامل وتجهيزات تفتقدها الجامعات المحلية.
ورأى أن استمرار هذا الوضع يعني نزيفاً مستمراً للعقول النابغة، وهو ما يهدد مستقبل التعليم العالي.
هيكل رواتب من زمن آخر
أما الدكتور وائل كامل، عضو هيئة التدريس بجامعة العاصمة، فقد قدم في تصريحاته الصحفية تشريحاً دقيقاً لجذور الأزمة، مؤكداً أن من يريد فهمها لا يحتاج إلى تحليل اقتصادي معقد، بل يكفيه النظر إلى جداول الرواتب التي وُضعت في زمن كان فيه جرام الذهب بجنيه ونصف والدولار أقل من جنيه.
وأوضح أن العلاوة الدورية للأستاذ الجامعي لا تزال 75 جنيهاً فقط، وللأستاذ المساعد 72 جنيهاً، بفارق ثلاثة جنيهات سنوياً، وهو رقم لا يساوي اليوم ثمن حزمة بقدونس. وأضاف أن آخر تعديل مهم جاء في قانون 84 لسنة 2012، لكنه لم يعالج أصل المشكلة، بل اقتصر على زيادة بدل الجامعة، بينما ظلت الوعود بزيادات لاحقة حبراً على ورق.
وأشار كامل إلى أن ضعف الراتب الأساسي جعل راتب الأستاذ الجامعي تركيبة غريبة، حيث يمثل الأساسي 20% فقط من الدخل، بينما تشكل المتغيرات والبدلات 80%. وحتى هذه المتغيرات لم تعد مضمونة بعد تجميد حافز الجودة، وربط المتغيرات بنسبة ثابتة من الأساسي منذ 2015، ما جعل أي زيادة شكلية لا تؤثر على الدخل الحقيقي.
وأوضح أن الأساتذة الذين لجأوا للقضاء للحصول على علاوات مستحقة وجدوا أن أثر الأحكام محدود للغاية، لأن الحسابات تتم على أساس رواتب قديمة، بينما تُحسب الخصومات على الأجر الفعلي الحالي، في مفارقة مالية غير منطقية.
وأضاف كامل أن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات تفرض قيوداً واسعة على عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة، ما يمنعه من تعويض ضعف دخله، بينما تأتي المأساة الأكبر بعد التقاعد، حيث لا تدخل معظم البدلات في حساب المعاش، فيتلقى الأستاذ بضعة آلاف من الجنيهات لا تكفي للحياة الكريمة.