كشفت تطورات الحرب بين إيران من جه وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، عن تقلبات الأسواق المصرية على الأرض عن صورة أكثر قتامة، أحدثت اضطربا حادا في آليات التسعير وانهيار شبكات الائتمان العمود الفقري لحركة التجارة الداخلية وأثرت بشكل حاد في العلاقة بين المنتجين والموزعين.
وحذر اقتصاديون من زيادة الاضرابات بعد تراجع الجنيه إلى 15% خلال شهر من اندلاع الحرب، مشيرين إلي أن أخطر ما أفرزته التطورات ليس فقط زيادة الأسعار، بل انهيار منظومة العلاقات التجارية القائمة على الائتمان، حيث كان بإمكان التاجر الحصول على السلعة بالدين اعتمادا على الثقة الممتدة مع المورد، ولكن أصبح اليوم مطالب بالدفع النقدي المسبق، ففي كثير من الأحيان الأسعار تتغير خلال ساعات ما دفع أحد الموزعين للأجهزة الكهربائية في مركز تجاري شهير وقف البيع الاجل.
فوضى التسعير
وعمت الأسواق فوضى عارمة رصدتها مواقع التواصل الاجتماعي، أحمد عمر الذي فوجئ بعد دفع ثمن أجهزة كهربائية من أحد متاجر شارع عبد الغزيز برفض الموزع تسليم البضاعة، مطالبا بزيادة 7% عقب اتصال هاتفي بزيادة السعر.
ويتحمل المستهلك الثمن الأكبر لهذه الاضطرابات، يذكر شاب مقبل علي الزواج انه حاول استغلال تراجع أسعار الذهب عالميا لشراء شبكة العروس ولكنة اصطدم بواقع مغاير حيث ارتفعت الأسعار محليا، ما يعكس انفصال الأسواق المصرية عن الاتجاهات العالمية.
توقف البيع الآجل
وامتدت الفوضى الي الأجهزة المنزلية، حيث أوقفت إحدى سلاسل البيع الكبرى عمليات البيع مؤقتاً لحين إعادة تسعير المنتجات، بعد زيادات بلغت 15% عقب عطلة عيد الفطر، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال أيام، مدفوعة بصعود الدولار إلى نحو 55 جنيهاً في البنوك، وبلوغه 62 جنيهاً في المعاملات الآجلة.
وقال حازم المنوفي رئيس شعبة المواد الغذائية: إن "هناك استقرارا نسبيا في هذه العلاقة، لافتاً إلى وجود مخزون كبير لدى الدولة من السلع الأساسية والغذائية، مثل السكر والدقيق والأرز والحبوب، يكفي لعدة أشهر، ساهم في ردم الفجوة السعرية، والتخفيف من حدة الارتفاعات، على عكس السلع المستوردة التي يصعب تحديد تكلفتها على مدار الساعة، بسبب ارتباطها بتطورات الحرب".
وأشار إلى أن البيع الآجل أصبح شبه متوقف، بينما يظل البيع النقدي متاحاً للسلع المتوافرة في السوق، في حين لا يجري تسعير السلع التي لا تزال في طريقها إلى البلاد إلا بعد وصولها إلى مخازن التوزيع.
وبيّن أن ارتفاع الأسعار يقلق التجار بقدر ما يقلق المستهلكين، إذ يؤدي إلى تآكل هوامش الربح ورؤوس أموال التجار، ويُبطئ من دورة رأس المال في ظل تراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأسواق نحو الركود، ويحدّ من قدرة الدولة على احتواء هذه التداعيات، خاصة مع طول أمد الحرب واتساع نطاقها.
مطالب بإصلاحات هيكلية
ويقدم أستاذ التمويل ورئيس هيئة الرقابة المالية السابق، محمد عمران، قراءة أكثر عمقاً، مؤكداً أن مصر "ليست في أزمة عملة لكنها تواجه "إشارات تحذير متزايدة", ومشيرا إلى أن تراجع الجنيه بنحو 15% منذ اندلاع الحرب يعكس الحاجة الملحّة إلى بناء "مناعة اقتصادية"، عبر إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية والادخار المحلي، وتقلل الاعتماد على التدفقات الخارجية.
وأكد على أن تأثير الحرب الإقليمية لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد المصري عبر عدة قنوات، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة، وخروج الاستثمارات الأجنبية، وتباطؤ تحويلات العاملين بالخارج، التي تُعد من أهم مصادر العملة الصعبة، إذ تجاوزت 40 مليار دولار في 2025.