رفع أسعار الغاز للمصانع 21% … مراقبون: صدمة تضخمية جديدة للمستثمر والمستهلك

- ‎فيتقارير

أثار قرار حكومة السيسي رفع أسعار الغاز الطبيعي للمصانع، وعلى رأسها مصانع الأسمدة، بنسبة وصلت إلى 21%، موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات، حيث اعتبره مراقبون خطوة جديدة ستعمّق أزمة الإنتاج وترفع أسعار السلع الزراعية والغذائية، في وقت يعاني فيه المواطن من موجات تضخم متلاحقة.

ويرى اقتصاديون أن هذه القرارات تأتي في وقت يعاني فيه المصريون من ضغوط معيشية غير مسبوقة، وأن الحكومة تواصل تحميل المواطن تكلفة أزمة اقتصادية لم يكن سبباً فيها. فبينما تقول الحكومة إنها تسعى لتخفيف عجز الموازنة، يرى المراقبون أن سياساتها “تغذي التضخم” وتزيد من معاناة الفئات المتوسطة والفقيرة، في ظل غياب أي حوار مجتمعي أو شفافية حول أسباب القرارات وتداعياتها.

 

في النهاية، يبدو أن رفع أسعار الغاز للمصانع ليس مجرد قرار اقتصادي، بل حلقة جديدة في سلسلة من الإجراءات التي تضرب الإنتاج وترفع الأسعار وتعمّق الأزمة المعيشية. وبينما تتحدث الحكومة عن “إصلاح اقتصادي”، يرى المواطن أن كل إصلاح جديد يعني زيادة جديدة في الأسعار، وأنه وحده من يدفع الفاتورة.

ندفع فاتورة الفشل

الباحث الاقتصادي محمد حبيب (@BeboFinance2021) كان من بين من علّقوا على القرار، قائلاً بسخرية مرة: “عندي ليك خبر ريحته طين… مصر رفعت أسعار الغاز النهارده لمصانع الأسمدة بنسبة 21%”.

وأوضح أن هذا القرار يعني عملياً أن تكلفة الإنتاج الزراعي “هتطير في السما”، وأن سعر السماد “هيولع”، والفلاح “هيتفرم”، والإنتاج الزراعي كله “داخل على أزمة محترمة”.

واعتبر هذا التوصيف يلخص ببساطة سلسلة التأثيرات التي تبدأ من المصنع وتنتهي عند المستهلك الذي سيجد أسعار الخضراوات والفواكه والحبوب ترتفع من جديد.

وأضاف "حبيب" أن المفارقة الكبرى تكمن في أن مصر التي أعلنت قبل سنوات أنها أصبحت “مركزاً إقليمياً للطاقة”، وأن الغاز “بتاعنا”، أصبحت اليوم تستورد الغاز وتدفع ثمنه بالدولار، ثم تحاسب المصانع المحلية بالسعر العالمي.

ورأى أن رفع الأسعار بهذه الطريقة يعني أن المصريين “بيدفعوا فاتورة الفشل”، وأن كل الوعود السابقة حول الاكتفاء الذاتي من الغاز لم تصمد أمام أول أزمة حقيقية.

ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إن الانهيار الذي حدث في قطاع الطاقة بعد توقف الغاز الإسرائيلي كشف هشاشة المنظومة، وأن مصر أصبحت “ملط بعد شهر من الحرب”، رغم أنها ليست طرفاً فيها، متسائلاً: “طب تخيل بقى لو كنا طرف؟”.

قراءة تقنية

من جانبه، قدّم الباحث مصطفى شفيع قراءة تقنية للقرار، عبر فيسبوك موضحاً أن الغاز الطبيعي يمثل أكثر من 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية مثل الأمونيا واليوريا، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كمادة خام تدخل في التفاعل الكيميائي نفسه. وبالتالي فإن أي زيادة في سعر الغاز ستنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج.

وأشار شفيع Mustafa Shafie إلى أن السعر الحالي للغاز قبل الزيادة كان 5.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وأن رفعه سيؤثر بشكل كبير على الشركات المصنعة. كما ذكّر بأن الحكومة كانت قد رفعت في سبتمبر الماضي سعر توريد طن اليوريا والنترات المدعم إلى 6000 جنيه بدلاً من 4500، مع إعادة هيكلة حصص التوزيع بحيث تحصل وزارة الزراعة على 37% فقط من الإنتاج، بينما يذهب 53% للتصدير و10% للسوق الحر. هذا التقسيم، بحسب شفيع، كان يهدف إلى دعم موارد النقد الأجنبي، لكنه جعل السوق المحلية أكثر هشاشة أمام أي زيادة جديدة.

أما موقع "العربية مصر –بيزنس" فنقل عن مصادر حكومية أن رفع أسعار الغاز للمصانع يأتي ضمن “إعادة هيكلة” تستهدف الوصول إلى “السعر العادل”، وأن بعض الصناعات ستُربط أسعار الغاز فيها بأسعار التصدير العالمية، خصوصاً في قطاع الأسمدة.

وأشارت المصادر إلى أن الحكومة تتجه لتطبيق زيادات تدريجية خلال السنوات المقبلة، مستندة إلى عوامل مثل تكلفة استيراد الغاز المسال، وأعباء استئجار سفن التغويز، وسعر شراء حصة الشريك الأجنبي من الإنتاج المحلي.

لكن هذه التبريرات لم تمنع موجة الغضب، خاصة بعد أن كشفت تقارير سابقة أن الحكومة استثنت غاز الصناعة من الزيادة الأخيرة في الوقود بسبب ضغوط المستثمرين، قبل أن تعود وترفعه الآن بشكل مفاجئ.

 

وتتداخل هذه التطورات مع أزمة أكبر تتعلق بتوقف الغاز من كيان الاحتلال الذي كان يمد مصر بأكثر من 1.1 مليار قدم مكعب يومياً، وهو ما أدى إلى ارتباك كبير في منظومة الكهرباء والصناعة. واعتبر مراقبون أن ربط شريان الطاقة المصري بخط أنابيب خاضع للاحتلال يمثل خطراً استراتيجياً، لأن “عدواً يعرف كيف يضغط ومتى يضغط” يمكنه أن يربك المصانع ويقلق البيوت بقرار واحد. هذا التوقف كشف هشاشة الاعتماد على مصادر خارجية، وأعاد طرح سؤال السيادة على ملف الطاقة.

 

وفي سياق متصل، أثار الكاتب ثابت الدسوقي جدلاً واسعاً حين انتقد إعلان بنك التصدير والاستيراد الأمريكي EXIM الموافقة على منح ضمانة ائتمانية تتجاوز 2 مليار دولار -أي أكثر من 100 مليار جنيه- لتأمين توريد الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى مصر خلال عامي 2026 و2027. الاتفاق تم بين شركة الطاقة العملاقة هارتري بارتنرز والهيئة المصرية العامة للبترول، بهدف ضمان استقرار منظومة الطاقة المصرية.

 

لكن الدسوقي يرى أن تصوير هذا التمويل باعتباره “ثقة مطلقة في الاقتصاد المصري” ليس سوى تسويق مضلل. فواشنطن، بحسب رأيه، لا تتحرك بدافع “النبوة الاقتصادية”، بل بدافع مصالحها الاستراتيجية ورغبتها في أن تكون المورد الأول للطاقة لشركائها، وفي مقدمتهم مصر، في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة.

 

ويؤكد أن هذا النوع من التمويل ليس منحة، بل دين جديد يُضاف إلى جبل الديون الذي يرهق المصريين. لذلك يرفض الدسوقي الخطاب الذي يروّج للاتفاق باعتباره إنجازاً، قائلاً: “كفانا استدانة… ولو عشنا في ظلام. كفانا إضافة أثقال إلى أثقالنا.”

ويتساءل بحدة: هل هذا الاتفاق سيقضي فعلاً على مخاوف انقطاع الطاقة؟ ولماذا تربط واشنطن أمنها الاقتصادي بتأمين احتياجات مصر من الغاز؟ ولماذا تُقدَّم هذه الخطوة كدليل على الثقة بينما حقيقتها التزام مالي جديد على المصريين؟ ويختم برسالة واضحة: “كفانا… كفانا… كفانا.”

https://www.facebook.com/thapit17/posts/pfbid02zzsSgupgepRFUYigqq23qGjakRRNJ1Z18z24QPpFJismqDnuetT5a9y7hYcKs19Pl