أقرت حكومة السيسي زيادة جديدة في أسعار الأسمدة المدعمة بدءاً من الأول من أبريل الحالي، وفق ما نشرته جريدة المال وموقع العربية نقلاً عن مصادر حكومية. الزيادة شملت رفع سعر شيكارة اليوريا والنترات إلى 290 جنيهاً، والسلفات إلى 285 جنيهاً، مع تعميم الأسعار الجديدة على الجمعيات الزراعية ومنافذ التوزيع. الحكومة بررت القرار بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات اللوجستية، وبمصروفات كارت الفلاح الإلكتروني.
أكبر مصنع للأسمدة بافريقيا
في الوقت الذي تتجه فيه دول كثيرة إلى رفع أسعار الأسمدة أو تقليص الدعم، اختارت إثيوبيا أن تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر تدشين أكبر مصنع لإنتاج الأسمدة في إفريقيا، في خطوة استراتيجية تهدف إلى حماية أمنها الغذائي وتقليل اعتمادها على الواردات، بل والتحول إلى لاعب إقليمي في سوق الأسمدة. المصنع الجديد، الذي تم افتتاحه بدعم تقني وتمويلي من الصين، يقع في منطقة دير داوا ويُعد واحداً من أضخم المشاريع الصناعية في تاريخ البلاد، بطاقة إنتاجية تتجاوز 2.5 مليون طن سنوياً من أسمدة اليوريا وNPK، مع خطط توسع قد ترفع الإنتاج إلى 3.8 مليون طن خلال السنوات المقبلة.
هذا المشروع الضخم يأتي في لحظة عالمية تتصاعد فيها أسعار الأسمدة بسبب ارتفاع أسعار الغاز واضطرابات سلاسل الإمداد، ما يجعل امتلاك قدرة إنتاج محلية ميزة استراتيجية. وتقول الحكومة الإثيوبية إن المصنع سيوفر ما يقارب مليار دولار سنوياً كانت تُنفق على استيراد الأسمدة، إضافة إلى توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتقليل الضغط على العملة الصعبة، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة تقلبات السوق العالمية.
الأهم أن إثيوبيا لا تستهدف الاكتفاء الذاتي فقط، بل تسعى إلى أن تصبح مصدّراً رئيسياً للأسمدة في شرق إفريقيا، خصوصاً لدول مثل كينيا، والصومال، وجنوب السودان، وإريتريا، وهي أسواق تعاني من نقص حاد في الإمدادات. وبذلك تتحول أديس أبابا من دولة مستوردة تعتمد على الخارج إلى دولة مصدّرة تمتلك نفوذاً اقتصادياً في منطقة شديدة الحساسية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن المصنع يعتمد على الغاز الإثيوبي المكتشف حديثاً في منطقة أوغادين، ما يمنح البلاد فرصة لتطوير قطاع الطاقة بالتوازي مع قطاع الأسمدة. كما أن المشروع جزء من خطة حكومية أوسع تهدف إلى رفع إنتاجية الزراعة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الإثيوبي وتشغّل أكثر من 70% من السكان.
في ظل هذه التطورات، تبدو إثيوبيا وكأنها تستعد مبكراً لموجة الغلاء العالمية القادمة، وتبني لنفسها مظلة حماية اقتصادية، بينما دول أخرى -ومنها مصر- ترفع أسعار الغاز والأسمدة وتزيد الضغط على الإنتاج الزراعي. وبينما تتخذ حكومات قرارات تزيد من تكلفة الإنتاج، تتحرك إثيوبيا في الاتجاه المعاكس، محاولةً تحويل الأزمة العالمية إلى فرصة للنمو والتمدد الإقليمي.
التحرك التركي
تركيا تتحرك بسرعة في لحظة عالمية شديدة الاضطراب، وتستبق أزمة غذاء تلوح في الأفق مع اتساع رقعة الحرب في إيران وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد العالمية. فبينما تستعد دول كثيرة لارتفاع أسعار الأسمدة وندرتها، أعلنت أنقرة إلغاء الرسوم الجمركية على واردات الأسمدة في خطوة استباقية تهدف إلى حماية قطاع الزراعة التركي من موجة الغلاء القادمة.
هذه الخطوة ليست مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل رسالة واضحة بأن تركيا تريد تأمين غذائها قبل أن تتفاقم الأزمة. فالحرب في إيران تهدد طرق التجارة، وترفع أسعار الطاقة، وتضغط على سوق الأسمدة العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي. ومع ارتفاع تكلفة الإنتاج عالمياً، بدأت دول كثيرة تشهد زيادات حادة في أسعار الأسمدة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء.
تركيا، التي تعتمد على الزراعة كقطاع حيوي، تدرك أن أي ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة سيؤدي إلى موجة تضخم غذائي تضرب المستهلكين والمزارعين معاً. لذلك جاء قرارها بإلغاء الرسوم كخط دفاع أول، يهدف إلى تخفيف التكلفة على المزارعين، وضمان استمرار الإنتاج الزراعي دون قفزات سعرية مفاجئة.
اللافت أن هذه الخطوة تأتي في وقت تتجه فيه دول أخرى -ومنها مصر- إلى رفع أسعار الغاز والأسمدة، ما يزيد الضغط على الإنتاج الزراعي ويغذي التضخم. وبينما تتخذ حكومات قرارات تزيد من تكلفة الإنتاج، تتحرك تركيا في الاتجاه المعاكس، محاولةً امتصاص الصدمة قبل وصولها إلى الأسواق.
في النهاية، يظهر أن أنقرة اختارت أن “تضرب أولاً” لحماية أمنها الغذائي، في لحظة عالمية تتغير فيها قواعد اللعبة بسرعة، وتتحول فيها الأسمدة والطاقة إلى أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن السلاح.
السيسي مغذي التضخم
وقال حساب منصة "الموقف المصري" إنه رغم حديث مصادر حكومية عن ربط أسعار الغاز لمصانع الأسمدة بالأسعار العالمية، فإن هذا الربط لم يُنفذ بعد، خصوصاً بعد استثناء غاز الصناعة من الزيادة الأخيرة في الوقود. ويأتي القرار رغم أن قطاع الأسمدة مقسّم بحيث تذهب 37% من الإنتاج للحكومة، و10% للسوق المحلي الحر، و53% للتصدير، ما يعني أن الحكومة كان يمكنها التحكم في أسعار حصتها دون المساس بباقي السوق.
واستدرك عن الزيادة التي جاءت ضمن سلسلة قرارات حكومية أنها رفعت أسعار الوقود، والكهرباء، والغاز المنزلي، والاتصالات، والآن الأسمدة، ما يجعل المواطن هو المتحمل الوحيد لكل هذه الأعباء، بينما تقول الحكومة إنها تخفف عجز الموازنة المثقل بالديون.
واعتبر أن هذه القرارات أدت إلى صدمة تضخمية واسعة، إذ ارتفعت أسعار النقل والسلع الغذائية والخدمات. الخضراوات والفواكه ارتفعت بالفعل 25–35% قبل زيادة الأسمدة، والطماطم وصلت إلى 60 جنيهاً للكيلو بعد أن كانت 15 جنيهاً. ومع رفع أسعار الأسمدة بنسبة 7.8%، فإن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تبدو حتمية، ما يعني تضخماً أكبر ومعاناة أعمق للطبقات المتوسطة والفقيرة.
وخلص إلى أن حكومة السيسي تواصل تغذية التضخم بقرارات متتابعة، بينما يتحمل المواطن وحده تكلفة أزمة اقتصادية لم يكن سبباً فيها، ولا يُسمح له حتى بالتعبير عن رفضه لها.
ماذا عن مصانعنا (أبو قير نموذجًا)؟
وتطرح الباحثة دينا أبو المجد سؤالاً محورياً: هل نحمي استثماراتنا أم نرسل رسائل قلق للأسواق؟ وتستعيد في حديثها مكانة شركة أبوقير للأسمدة التي كانت يوماً من أعمدة الإنتاج الزراعي في مصر، وداعماً أساسياً للفلاح والسوق المحلي، قبل أن تتحول اليوم إلى نموذج يعمل في بيئة أكثر تعقيداً وتشابكاً بفعل الأزمات العالمية.
وتشير Dina Abu Elmagd عبر فيسبوك إلى أن قطاع الأسمدة يمر بأزمة عالمية حقيقية نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية مثل احتمالات غلق مضيق هرمز، وكلها عوامل ترفع تكاليف الإنتاج وتضغط على المصانع المعتمدة على الغاز. وفي ظل هذه الظروف، ترى أن التعامل مع الكيانات الصناعية الاستراتيجية يجب أن يقوم على الاحتواء والدعم وليس التصعيد أو التشهير، لأن الرسائل السلبية لا تضرب شركة واحدة فقط، بل صورة الاستثمار في مصر ككل، وتؤثر على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
وتؤكد أن مواجهة التحديات التشغيلية أو التمويلية لأي كيان كبير يجب أن تتم عبر حلول عملية مثل إعادة الهيكلة، والدعم المرحلي، والشراكات الاستراتيجية، أو تدخلات مدروسة تضمن الاستمرارية، لأن الحفاظ على الكيانات الإنتاجية لم يعد رفاهية، بل ضرورة تمس الأمن الغذائي مباشرة.
وترى أن الرهان الحقيقي اليوم ليس في كشف الأزمات، بل في إدارتها بذكاء، لأن سقوط كيان صناعي كبير لا يعني خسارة مالية فقط، بل يمتد تأثيره إلى العمالة، والصادرات، وتدفقات العملة الأجنبية، وسلاسل الإنتاج بالكامل. وتدعو إلى مرحلة من التوازن بين الشفافية والمسئولية، وبين المحاسبة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، مع ضرورة وجود رؤية واضحة للإجابة عن سؤال جوهري: كيف نحافظ على ما لدينا ونطوره بدلًا من أن نفقده؟
وتختم بأن التحديات القادمة أكبر، وأن الاستعداد لها يجب أن يكون أكثر وعياً وذكاءً، لأن بيئة الاستثمار لا تتحمل رسائل مرتبكة في لحظة حساسة كهذه.