رغم أن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران تدور على بُعد آلاف الكيلومترات من الأراضي المصرية، إلا أن تداعياتها كشفت سريعًا هشاشة بنية الاقتصاد المصري، ليس فقط، بسبب الصدمات الخارجية، بل نتيجة تراكمات داخلية على مدار سنوات، في مقدمتها هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد، والتوسع في مشروعات ضخمة ذات جدوى محدودة.
اقتصاد هش.. الحرب مجرد كاشف للأزمة
أظهر تقرير مؤسسة "فيتش سوليوشن" أن مصر تُعد من أكثر الاقتصادات الناشئة عرضة لخسائر الحرب، محتلة مرتبة متقدمة عالميًا من حيث المخاطر، غير أن هذا التصنيف لا يرتبط بالموقع الجغرافي بقدر ما يعكس خللًا هيكليًا عميقًا، جعل الاقتصاد شديد التأثر بأي اضطراب خارجي.
فالاقتصاد المصري بات يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الأساسية، من الطاقة إلى الغذاء، بما في ذلك القمح والغاز، في ظل تراجع الإنتاج المحلي، ويعزز هذا النمط مصالح شبكة واسعة من المستوردين الذين يفضلون الاستيراد لتحقيق عمولات سريعة، بدلًا من الاستثمار في التصنيع أو الزراعة.
مشروعات كبرى بلا عائد.. واستنزاف للموارد
خلال العقد الأخير، اتجهت الدولة إلى ضخ مئات المليارات في مشروعات بنية تحتية ومدن جديدة وطرق وجسور، وُصفت في كثير من الأحيان بأنها "استعراضية" أو غير ذات أولوية اقتصادية مباشرة. هذا التوسع، الذي جرى تمويله عبر الاقتراض، لم يُقابله نمو موازٍ في القطاعات الإنتاجية، ما أدى إلى زيادة الأعباء المالية دون توليد موارد دولارية كافية.
وفي ظل هذه السياسات، تراجع دور القطاع الخاص، بينما توسعت الجهات التابعة للدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، في السيطرة على قطاعات واسعة، ما أضعف المنافسة وأثر على كفاءة تخصيص الموارد.
الجنيه تحت الضغط.. والديون تتفاقم
نتيجة لهذه الاختلالات، أصبح الجنيه المصري شديد الحساسية لأي صدمة خارجية، فقد نحو 80% من قيمته خلال عشر سنوات، مع تكرار موجات التعويم، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاحتياطي النقدي بسبب فاتورة الاستيراد المرتفعة وخدمة الديون.
كما اعتمدت الحكومة بشكل متزايد على ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"، عبر جذب استثمارات في أدوات الدين بفوائد مرتفعة تصل إلى نحو 30%، وهي تدفقات سريعة الدخول والخروج، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات حادة مع أي توتر جيوسياسي.
صدمة الطاقة والتجارة.. ضغوط مضاعفة
مع تصاعد الحرب، ارتفعت أسعار النفط، ما يهدد بزيادة فاتورة استيراد الطاقة بمليارات الدولارات سنويًا، في وقت لا تزال فيه مصر مستوردًا صافيًا للمنتجات البترولية، رغم اكتشافات الغاز.
كما تؤثر الاضطرابات في الممرات البحرية على حركة التجارة وإيرادات قناة السويس، ما يضيف عبئًا جديدًا على موارد النقد الأجنبي.
أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة حرب
تكشف التطورات أن الأزمة الاقتصادية في مصر ليست نتاج الحرب وحدها، بل نتيجة نموذج اقتصادي قائم على الاقتراض والإنفاق الحكومي والتوسع في مشروعات غير منتجة، مقابل إهمال القطاعات الصناعية والزراعية.
وفي ظل استمرار هذا النهج، تبقى أي صدمة خارجية، مهما كانت بعيدة جغرافيًا، قادرة على إحداث تأثيرات عميقة، ما يجعل الحاجة ملحة لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتقليص دور الجهات السيادية في النشاط الاقتصادي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، مع توجيه الاستثمارات .