الاعتكاف من عبادة إلى ملف أمني .. قيود أمنية : تسليم “الرقم القومي” شرط من (أوقاف) الوطني!

- ‎فيتقارير

 

يتساءل المصريون في كل رمضان هل الاعتكاف ما زال يحتاج موافقة أمنية؟ ولو عن طريق غير مباشر يتمثل في وزارة الأوقاف التي تشترك للاعتكاف (صورة البطاقة) فالردود على السؤال جاءت تؤكد أن الأمر لم يعد كما كان، فهناك من قال: إن “الأمن الوطني وليس أمن الدولة هو الجهة التي تُبلّغ وإن كانا صنوان، بينما أشار آخرون إلى أن وزارة الأوقاف نفسها تشترط معرفة بيانات المعتكفين، والتأكد من انطباق الشروط”.

الأسئلة والردود تعكس حالة من القلق الشعبي، إذ يشعر كثيرون أن ممارسة عبادة سنية مثل الاعتكاف أصبحت مرتبطة بإجراءات أمنية لا علاقة لها بالعبادة.

كأنك في بلد غير مسلم

وتتكرر شهادات المصلين بأن الاعتكاف في مصر أصبح شبه ملغى، فلا أحد يريد أن يسلم نفسه في ملف أمني (يحتمل معه أن يكون ذلك ثغرة من ضعاف النفوس عند أي نزاع شخصي يتحول إلى مدد مفتوحة في سجون عبدالفتاح السيسي عجل الله بإغراقه) وأن المساجد تخضع لرقابة مشددة، وأن الدعاة مقيدون في ما يقولون وما يسمح لهم به.

هذا الشعور يعكس أزمة ثقة عميقة بين الناس والسلطات الدينية والأمنية، ويكشف عن إحساس عام بأن المساجد لم تعد مساحة حرة للعبادة كما كانت.

يقول @67abcdef : “مساعدة هو الاعتكاف في المساجد أخر عشرة أيام يبلغوا أمن الدولة “.

وصحح له مازن @mazen_kholif “الأمن الوطني …مافيش أمن دولة دلوقتي … ويمكن كمان يبلغوا وزارة الأوقاف علشان يشوفوا انطباق شروط الاعتكاف.

https://x.com/mazen_kholif/status/2031204277914333421

أما خضري أبو فتحي @fty1333575 فيضيف “يا ناس يا مسلمين الاعتكاف في مصر كأنك في بلد غير مسلم، شروط أمنية وشبه إلغاء والإسرائيليين يفتح لهم بلا شروط، ولو أرادوا الاعتكاف أخلوا لهم المساجد، مساجدنا حالها غير، والناس والدعاة مقيديون  خرس إلا بما يسمح نص الأمن”.

 

https://x.com/fty1333575/status/2031109946830364980

ويشيير @A____11a0 إلى حالة خاصة وهي في الأصل عامة “لأسباب أمنية توجيهات من إدارة الأمن لإمام مسجد السعيد بمنع المعتكفين من الاعتكاف، منع الاعتكاف في المساجد “.
 

قرارات المنع السابقة

الذاكرة القريبة تحمل الكثير من الأمثلة، ففي عام 2022، منعت وزارة الأوقاف صلاة التهجد والاعتكاف لثلاثة أعوام متوالية الاعتكاف، رغم تخفيف قيود كورونا في كل القطاعات الأخرى، الوزير السابق محمد مختار جمعة برّر القرار بأن “المسجد ليس فندقًا”، وأن الاعتكاف يتضمن نومًا ومخالطة، وأن الوباء لم ينتهِ، لكن الإحصاءات الرسمية وقتها كانت تشير إلى انخفاض الإصابات إلى 124 حالة يوميًا فقط، ما جعل كثيرين يرون أن كورونا لم تكن سوى غطاء لقرار سياسي.

 

حتى إن “نواب” السلطة نقلوا ضغطا شعبيا من اعتراض الشعب على قرارات الأوقاف، مؤكدين أن الحكومة سمحت بعودة الجماهير للملاعب، وفتحت المولات، وخففت القيود، بينما بقيت المساجد وحدها تحت التشديد، نواب من أحزاب مختلفة تساءلوا: كيف تكون صلاة التراويح مسموحة، بينما التهجد والاعتكاف ممنوعان؟ هذا التناقض جعل قرارات الوزارة تبدو منفصلة عن الواقع، وتحديدًا عن الواقع الصحي الذي كانت تستند إليه.

ونص القرآن نفسه على الاعتكاف في المساجد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف حتى وفاته، واعتبر ناشطون على منصات التواصل أن منع سنة من سنن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى الأمن “قلة احترام” للشعائر، وتكشف جهلًا بدور المسجد، إلا أن المتمرسين ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن التضييق على الاعتكاف جزء من سياسة أوسع لتقليص دور الدين في المجال العام.

دول تسمح بالاعتكاف… ومصر تمنعه

 

بينما كانت مصر تمنع الاعتكاف، كانت دول عربية عديدة—مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق والأردن وفلسطين—تعلن رسميًا السماح به مع تنظيم دقيق، السعودية مثلًا خصصت خزائن للمعتكفين، وحددت مواقع للرجال والنساء، واستقبل المسجد الحرام وحده 10000 معتكف، في المسجد النبوي، تم تجهيز أماكن لـ4000 معتكف، هذه المقارنة جعلت كثيرين يتساءلون: لماذا يصبح الاعتكاف ممكنًا في الحرمين، بينما يُمنع في بلد الأزهر؟

وفي بني سويف، أثار قرار تخصيص 80 مسجدًا فقط للاعتكاف غضب الأهالي، لأن المحافظة تضم أكثر من ألفي مسجد، وكيل الوزارة هناك أكد ضرورة إبراز بطاقة الرقم القومي قبل دخول المسجد، وأن الهدف هو “منع رافضي حكم العسكر من التواجد بين المعتكفين”، هذا التصريح كشف بوضوح أن الاعتكاف لم يعد مسألة دينية، بل مسألة أمنية وسياسية، وأن الدولة تنظر إلى المعتكفين باعتبارهم “خطرًا محتملًا”.

استمارة أمن الدولة

وبدأت أزمة الاعتكاف في مصر منذ عام 2014 (في أول رمضان بعد الانقلاب) حين فرضت وزارة الأوقاف استمارة إلزامية للراغبين في الاعتكاف، تتضمن بيانات شخصية تفصيلية تُرسل مباشرة إلى جهاز الأمن الوطني، هذا الإجراء أدى إلى عزوف شبه كامل عن الاعتكاف، إذ كشفت حركة “أبناء الأزهر الأحرار” أن نسبة المتقدمين للاعتكاف لم تتجاوز 2% مقارنة بما قبل 2013، بسبب خوف الناس من أن تتحول بياناتهم إلى ملف أمني قد يعرضهم للاعتقال أو الملاحقة. الحركة وصفت القرار بأنه أول تجميد فعلي لسنة الاعتكاف في تاريخ مصر الحديث، وأنه جاء بتوجيهات سياسية لا دينية.

 

الاستمارة تضمنت عشرة بنود شخصية تشمل الاسم الرباعي والرقم القومي والعنوان ورقم الهاتف والمؤهل الدراسي، إضافة إلى ثمانية محظورات تمنح الإمام الحق في طرد المعتكف فورًا، مثل تعليق الملابس أو النوم في غير الأماكن المخصصة أو إقامة التهجد خلف غير إمام المسجد، كما اشترطت الوزارة تقديم الطلب قبل أسبوع من الاعتكاف لعرضه على “الجهات السيادية”، مع إلزام المعتكف بالاعتكاف في مسجد منطقته فقط، هذه الإجراءات جعلت الاعتكاف يبدو أقرب إلى تصريح أمني منه إلى عبادة سنية.

 

في الوقت نفسه، قلّصت وزارة الأوقاف عدد المساجد المسموح فيها بالاعتكاف إلى أعداد محدودة للغاية، ففي القاهرة الكبرى، التي تضم أكثر من 17 مليون نسمة، لم يُسمح إلا بـ247 مسجدًا للاعتكاف، وفي الإسكندرية لم يُفتح سوى 19 مسجدًا لأداء التراويح لنحو 4.5 ملايين مواطن، وفي محافظات أخرى مثل الإسماعيلية والبحيرة، كانت الأعداد أقل بكثير من احتياجات السكان، هذا التضييق ترافق مع إغلاق مئات الزوايا والمساجد الصغيرة بدعوى “عدم مطابقة الشروط”، ما أدى إلى حرمان آلاف القرى من إقامة الاعتكاف نهائيًا.

خصخصة دور العبادة

الانتقادات لم تتوقف عند حدود الاعتكاف، بل امتدت إلى طريقة إدارة الوزارة للمساجد، فقد كشف الدكتور نادر فرجاني أن الوزارة تعمل على إنشاء شركة خاصة لإدارة وصيانة المساجد، ما اعتبره بداية “خصخصة دور العبادة”، وسخر قائلًا إن الخطوة التالية ستكون دفع رسوم للصلاة في المساجد التي ستحرسها شركات أمن خاصة مثل “فالكون”. كما تعرض عدد من كبار الدعاة للتضييق والمنع من الخطابة، مثل الشيخ محمد جبريل والشيخ المعصراوي، في إطار سياسة رقابية مشددة.

 

إلى جانب ذلك، اتهمت حركة “أبناء الأزهر الأحرار” وزير الأوقاف بإهدار المال العام، مؤكدة أن أموال الوقف تُصرف على المقربين بينما يعيش الأئمة في أوضاع مالية صعبة، برواتب وبدلات لا تكفي للمعيشة، الحركة دعت إلى “انتفاضة الأئمة” للمطالبة بحقوقهم، مشيرة إلى أن بدل المنبر لا يتجاوز ثمانية جنيهات، وأن الهيئة تعاني خسائر سنوية رغم امتلاكها أصولًا تتجاوز 8.5 مليارات جنيه، تقارير اقتصادية أكدت أن هيئة الأوقاف خسرت 37 مليون جنيه في عام واحد، وأنها فقدت مساحات واسعة من الأراضي الوقفية، بسبب سوء الإدارة والنزاعات القضائية.

 

هذه الصورة المتراكمة—من استمارات أمنية، وتقليص المساجد، ومنع الاعتكاف، وتضييق على الدعاة، وخسائر مالية ضخمة—خلقت حالة من فقدان الثقة بين المواطنين ووزارة الأوقاف، كثيرون يرون أن الاعتكاف لم يعد عبادة، بل ملفًا أمنيًا، وأن المساجد لم تعد فضاءً روحيًا، بل مؤسسة حكومية تُدار بمنطق السيطرة، ومع استمرار هذا النهج، تتعمق الفجوة بين الناس والوزارة، ويظل الاعتكاف في مصر عبادة محاصرة بإجراءات لا توجد في أي بلد عربي آخر.