رغم تصاعد ظاهرة هجرة الأطباء في السنوات الأخيرة بشكل مخيف، وهو ما تسبب في عجز كبير في أعداد الأطباء خاصة في المستشفيات الحكومية التي تشهد انهيارا غير مسبوق في الخدمات الطبية وتقديم العلاج بسبب نقص المستلزمات الطبية والأدوية، تعمل حكومة الانقلاب على علاج هذه الأزمة بقرارات تافهة وخطط غريبة قد تفاقم من انهيار المنظومة الصحية .
في هذا السياق أعلن المجلس الأعلى للجامعات تعديل مدة الدراسة في كليات الطب لنيل درجة البكالوريوس في تخصص الطب والجراحة العامة لتصبح 5 سنوات، على أن يعقبها سنتان للتدريب الإجباري في مواقع العمل.
وقال المجلس: إن “هذا القرار سوف يدخل حيز التنفيذ، على طلاب العام الدراسي 2023-2024، وستكون الدراسة بنظام الساعات المعتمدة، وتعتمد على قدرات الطالب في تحصيل أكبر أو أقل عدد ساعات ممكن”.
لكن الواضح أن حكومة الانقلاب تسعى إلى توفير عدد أكبر من مقدمي الرعاية الطبية في المستشفيات الحكومية في ظل التراجع الكبير في أعداد الأطباء نتيجة زيادة موجة الاستقالات للعمل في الخارج أو القطاع الخاص، وذلك على حساب المستوى العلمي وكذلك المادي، حيث ترفض حكومة الانقلاب زيادة مرتبات الأطباء .
ويشكو الأطباء من تدني الأجور وضغوط العمل والإجراءات المتخذة التي وصفوها بأنها تخلط بين الإهمال الطبي والخطأ، فضلا عن غياب البيئة الآمنة للحفاظ على الطبيب داخل محل عمله من تدافع وهجوم أقارب وذوي المرضى، الأمر الذي دفع نحو أكثر من 11500 طبيب للاستقالة.
كانت نقابة الأطباء قد حذرت من تزايد ظاهرة الهجرة، مؤكدة أن عدد الأطباء الذين يتقدمون باستقالاتهم من مستشفيات حكومة الانقلاب يتزايد كل عام.
وقالت النقابة: إن “ظاهرة الاستقالات بدأت في التفشي عام 2016، وبلغ عدد الأطباء المهاجرين حينها نحو 1044 طبيبا، وفي 2017 وصل العدد إلى 2549 طبيبا، وفي عام 2018 بلغ نحو 2612، وعام 2019 كان 3507 وفي 2020 كان العدد 2968، أما في عام 2021 فوصل العدد إلى 4127 طبيبا بمعدل 11 استقالة يوميا”.
وأرجعت سبب الاستقالات إلى أن الوضع بات أسوأ وأن عزوف الأطباء عن العمل بالقطاع الحكومي في تزايد من أجل الهجرة خارج مصر .
نظام 5+2
عن أسباب تعديل سنوات الدراسة بكليات الطب قال الدكتور رشوان شعبان عضو مجلس النقابة العامة للأطباء: إن “التعديل هو مقترح من داخل المجلس الأعلى للجامعات بناء على مطالب الجامعات المختلفة، مشيرا إلى أن الكثير من جامعات العالم تطبق نظام 5+2 بدلا من نظام 6+1”.
وكشف شعبان في تصريحات صحفية أن نقابة الأطباء لم يتم أخذ رأيها في تعديل نظام الدراسة، لكن نحرص على أن تكون فترة التدريب الإلزامي سنتين، وأن تكون في صلب العملية الطبية، ويتم الاستفادة منها بشكل حقيقي حتى لا تأتي بنتائج عكسية، مؤكدا أن الدارس لن يحصل على ترخيص مزاولة المهنة إلا بعد إتمام فترة التدريب العملية في المستشفيات .
وبشأن ما سوف يترتب على التعديلات الجديدة علميا، أوضح رشوان أنه لا يمكن الحكم المسبق على نتائج التعديلات الجديدة إلا بعد أن تخضع للتجربة بالفعل وتخريج أول دفعة من كليات الطب حتى يتم تقييمها بشكل علمي صحيح .
وأضاف ، يبدو أن الهدف من التعديلات هو زيادة فترة التدريب والممارسة، وعلى المستوى المادي سوف يستفيد الطالب من الحصول على أجر منذ التحاقه بالتدريب .
دراسة كاملة
وقال الدكتور محمد عز العرب المستشار الطبي لـلمركز المصري للحق في الدواء: إن “مثل هذه التعديلات من المفترض ألا تتم إلا بعد دراسة كاملة للموضوع، والاطلاع على تجارب الدول الأخرى التي اعتمدت هذا النظام، موضحا أن الاتجاه العالمي الآن هو الاهتمام بالجانب الإكلينيكي والممارسة الفعلية”.
وأضاف عز العرب في تصريحات صحفية قد يكون الهدف من اختصار مدة الدراسة النظرية إلى 5 سنوات زيادة الجانب التطبيقي أكثر من الجانب النظري، موضحا أن التدريب الإجباري هو ممارسة فعلية لمهنة الطب، ولكن دون ترخيص حتى ينتهي من السنتين تحت إشراف أطباء من مختلف التخصصات، وهذا يجب أن يساهم في تطوير المنظومة الصحية.
وأكد أنه في ظل عصر ثورة المعلومات أصبح الطب يتطور ليس كل 5 سنوات كما كان يحدث في الماضي بل سنويا، وأصبحت الثروة المعرفية الطبية متاحة على الإنترنت للباحثين والدارسين والراغبين في تطوير أنفسهم؛ مشيرا إلى أنه مع زيادة فترة التدريب العملي والمساعدة في توفير أكبر عدد من الأطباء المدربين بشكل جيد .
حلول جذرية
وقال الدكتور إيهاب الطاهر عضو مجلس نقابة الأطباء، إن “معدل هجرة الأطباء في السنوات الأخيرة شهد زيادة لم تحدث من قبل، مؤكدا أنه رغم التحذير المستمر خلال السنوات الماضية إلا أن حكومة الانقلاب لم تتخذ أي إجراءات فعلية لمعالجة أسبابها”.
وكشف «الطاهر» في تصريحات صحفية أن أكثر من 60% من الأطباء توجهوا للعمل بالخارج بالدول العربية والأجنبية، محذرا من أن هذا يؤثر سلبا على المنظومة الصحية والخدمات الطبية المقدمة للمواطنين.
وقلل من أهمية تعديل سنوات الدراسة بكلية الطب، موضحا أن مشكلات الأطباء معروفة للجميع ويأتي على رأسها ملف الأجور .
وأكد «الطاهر» أن الأجور متدنية والحد الأدنى للطبيب لا يكفي لتوفير حياة كريمة له، لذلك يبحث باستمرار عن فرصة عمل في أي دولة أخرى لتحسين الدخل، بالإضافة إلى أن تدني المعاشات يعد من أهم العوامل المتسببة في زيادة هجرة الأطباء، متسائلا كيف يقضي طبيب معظم عمره في العمل ثم يخرج إلى المعاش مقابل 2500 جنيه؟.
وأشار إلى أن الأطباء يتم الاعتداء عليهم خلال ساعات العمل دون وجود حماية لهم، بل يتم تحميلهم أعباء نقص المستلزمات وأسرة الرعاية المركزة والحضانات، مشددا على أن أبسط قواعد الإقامة الكريمة لم يجدها الطبيب فسوء بيئة العمل والحالة المتردية لأماكن إقامة الأطباء بالمستشفيات من أهم أسباب الهجرة.
وشدد «الطاهر» على ضرورة وضع حلول جذرية لهذه المشكلات لتقليل هجرة الأطباء، موضحا أن زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب أو تقليص سنوات الدراسة لن تحل المشكلة، لأن زيادة العدد دون حل جذري للمشكلات المعروفة ستؤدي إلى استمرار نزيف هجرة الأطباء للخارج، وبالتالي سيستمر النقص في أعدادهم.