بعد عودة “نتنياهو” وفي صمت مريب.. السيسي يهجر قسريا أهالي 9 قرى بسيناء

- ‎فيتقارير

في ظل حالة من الصمت والتعتيم الإعلامي قام نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بتهجير أهالي «9» قرى بمحافظة شمال سيناء خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2022؛ الأمر الذي قوبل بحالة من السخط بين أهالي وقبائل شمال سيناء. وكان نظام السيسي قد هجر عشرات الآلاف من سكان  نحو 35 قرية منذ انقلابه في 03 يوليو 2013م.

وفي أكتوبر 2014م ، أقام الجيش منطقة عازلة في مدينة رفح بطول الحدود مع قطاع غزة وبعمق خمسة كم، وتمدّدت المنطقة العازلة حتى أجهزت على كافة مناطق رفح، وباتت المدينة جزءاً من الماضي. ثمّ اتجه الجيش إلى تهجير سكان قرى جنوب مدينة الشيخ زويد وشرقها. واستمرت موجة التهجير الضخمة في رفح حتى منتصف 2016 وقبل نهاية العام نفسه، تحولت رفح مدينة أشباح، إلى جانب 8 قرى في محيط الشيخ زويد تحولت هي الأخرى إلى قرى للأشباح.  المنطقة العازلة امتدت لأكثر من 12 كيلومتراً عرضاً و13 كيلومتراً طولاً، وتم هدم 5500 منزل و2500 هكتار من المزارع أزيلت، كل هذه الإجراءات للتمدد في المنطقة العازلة توضح استخفاف الدولة بمفهوم القانون فالجيش لم يلتزم  بحدود المنطقة العازلة وتمادى في هدم المنازل وتهجير الأهالي”. وقبل سنة 2020 وبحسب أحمد سالم مدير “مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان”، فقد تم تهجير أهالي 11 قرية في مدينة رفح باستثناء منطقة البرث التي يقطن فيه اتحاد قبائل سيناء المدعوم من الجيش. أما منطقة  الشيخ زويد ففيها  14 قرية إضافة إلى المدينة على الطريق الساحلي. وحتى التعويضات التي تحدث عنها السيسي فلم تصل للمهجرين قسريا فيما يؤكد حقوقيون أن هناك شبهات فساد كبرى في هذا الملف.

 

استئناف التهجير القسري

ومساء الجمعة 18 نوفمبر 2022م؛ عقدت قيادات بالجيش مع عدد من شيوخ القبائل اجتماعا مغلقا، طلبت منهم خلاله إقناع أهالي قرى شيبانة والمهدية وجنوب الطايرة، بالرحيل عن قراهم في أقرب وقت؛ بحجة تطهيرها من اﻷلغام والعبوات الناسفة على أن يعودوا إليها بعد انتهاء عملية التطهير. لكن الأهالي ــ وفق موقع مدى مصر ــ  قابلوا هذه الأوامر بالرفض؛ لأن أوامر الجيش الصارمة تأتي بعد أسابيع قليلة من تهجير سكان (6) قرى أخرى في رفح، أهمها: الخرافين وقوز أبو رعد والمقاطعة والوفاق، بناءً على تعليمات من قيادات الجيش، وصولًا إلى إبعاد نحو 20 أسرة قسريًا من تجمع الجرايشة بقرية المقاطعة، بعد رفضهم إخلاء تجمعهم القروي. لكن وجهاء القبائل أبلغوا الأهالي أن قرار ترحيلهم عن قراهم حتمي ولن يوقفه أحد!

لكن أهالي القرى الثلاثة لم يقتنعوا بالأسباب التي نقلها لهم مشايخ القبائل، رافضين الرحيل عن بيوتهم، ولمواجهة الموقف نظم أهالي قبيلة «السواركة» في قرية «شيبانة» اجتماعا لبحث قرارات الجيش. ومن اللافت أن «شيبانة» هي أول قرية في رفح عاد إليها أهلها مع بداية 2022 وسط زفة إعلامية غير مسبوقة، بعد سنوات من النزوح. واعتمادًا على الجهود الذاتية قام الأهالي بترميم المسجد والزاوية الصوفية والمدرسة، التي استأنف أطفال القرية الدراسة فيها قبل شهرين.

ولإرسال رسالة إلى النظام والجيش، نشر بعض الأهالي مقطعًا مصورًا لاجتماع القبيلة يتحدث خلاله الشيخ إبراهيم أبو عليان، أحد وجهاء القبيلة وقرية شيبانة، مؤكدًا على العلاقة الوثيقة بين أهل سيناء والجيش، ومشددًا على أن الشراكة الوطنية بين الأهالي والدولة بمؤسساتها تفرض على الأخيرة أن تكون واضحة في ما يخص أراضي المواطنين، متسائلًا: «ألا يشفع تاريخنا لنكون شركاء في دراسة مستقبل هذه المنطقة؟»، مشددًا في الوقت نفسه: «نحن مع الجيش والاتجاه الوطني، ولكننا مع الأرض أيضًا». خلال الاجتماع حضرت بعض القيادات العسكرية، وأكدت للحاضرين أنه لن يكون هناك ترحيل لأحد، لكن الشائع بين الأهالي أن «تصرفات الجيش غير كلامه»!

 

غضب عارم بين الأهالي

وتسود حالة من الغليان بين أهالي هذه القرى لأن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قابل تضحياتهم ومساندتهم للجيش ضد مسحلي تنظيم "ولاية سيناء" بعدم تقدير، ولم يكترث لموقف هذه القبائل التي بذلت الكثير لاسترضاء النظام والجيش دون أن يحصلوا على شيء.

وزاد من غضب الأهالي ما حدث  من انتهاكات خلال تهجير أهالي القرى الستة خلال شهر أكتوبر الماضي "2022"؛ ففي 24 أكتوبر، مرت وحدات من مكتب مخابرات حرس الحدود على قرى: الماسورة والوفاق والخرافين وجوز أبو رعد والمهدية والمقاطعة، والتجمعات التابعة لها، وطلبت من الأهالي إخلاءها، ومنحتهم مُهلة ثلاثة أيام. لكن تجمعي الخرافين في رفح، والجرايشة في الشيخ زويد، رفضا الرحيل، وتواصل بعض شيوخ «السواركة والرميلات» المقربين من القوات المسلحة مع قيادات في الجيش الثاني الميداني للاستفسار عن سبب القرار، فأشارت عليهم تلك القيادات بالانتظار وعدم تنفيذ القرار. في اليوم التالي، تكرر مرور وحدات مكتب المخابرات ومطالبتها الأهالي بالإخلاء في أسرع وقت، ليرد الأهالي معلنين رفض تنفيذ تلك التعليمات، وهو ما استدعى تدخل شيوخ الرميلات مجددًا، ولكن هذه المرة طلبت القيادات العسكرية الامتثال للأوامر بوصفها «جاية من فوق قوي ومافيش حاجة في إيدينا». بما يعني أن هذه القرارات  لا دخل للجيش فيها لكنها صادرة  رئاسة الانقلاب مباشرة والغريب أنها تتزامن مع عودة بينامين نتنياهو رئيسا لحكومة الاحتلال.

ومع ظهور بوادر تمرد أهلي من جانب أهالي هذه القرى ظهرت في تصريحات بعضهم وشيخ الجامع،  طوّقت وحدات عسكرية تجمع الجرايشة، ونقلت سكانه إلى مدينة الشيخ زويد، بعدما وضعتهم قسرًا في سيارات رُبع نقل، وهو الخبر الذي تبعه إخلاء سكان الخرافين تجمعهم.  يقول أهالي قرية الخرافين:«ما حدث معنا ليس مطلب بالإخلاء ولكنه عملية طرد من أرضنا بالقوة»!

 

مؤامرة على أهالي رفح والشيخ زويد

ويشعر أهالي القرى التسعة أنهم يتعرضون لمؤامرة لا يعلمون مداها وأبعادها؛ يدلل على ذلك قيام الجيش بإغلاق كل الطرق المؤدية للقرى الثلاثة (شيبانة والمهدية وجنوب الطايرة)، مع منع عبور اﻷهالي من ارتكاز «الجهيني» العسكري الواقع في مدخل الطريق المؤدي للقرى. وكانت كمائن القوات المسلحة بدأت، منذ أكتوبر، في التضييق على أهالي قرى رفح، عبر منع دخول أي مستلزمات تُستخدم في إعادة البناء أو الزراعة، قبل أن تمر وحدات من حرس الحدود على القرى، في 20 أكتوبر، وتعمم تنبيهًا بمنع بناء أو ترميم أي مبنى بالطوب والإسمنت، والسماح باستخدام الخوص واﻷخشاب فقط. وتزايدت شكوك الأهالي حول سلوك الجيش؛ بعدما تواصلت لجان مجلس المدينة في ترقيم وحصر منازل القرى المهدمة ووضع علامات عليها خاصة في مناطق شمال رفح؛ وهي اللجان التي كانت وضعت، خلال نوفمبر 2022، كتلًا خرسانية تحمل أعلامًا حمراء وأرقامًا في مناطق مختلفة على مسافات متباعدة، دون توضيح للأهالي عن طبيعة ذلك الإجراء المختلف عن عمليات حصر المنازل والمزارع بغرض التعويضات التي كانت تتم من قبل. كما تزايدت شكوك الأهالي في سلوك الجيش بعدما تزامنت تعليمات الإخلاء مع قيام لجان هندسية بعمليات رفع مساحي في محيط قرى جنوب رفح، في نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر2022، تحت إشراف القوات المسلحة. واللافت في الوضع الميداني أن إحدى لجان الجيش الهندسية أبلغت سكان قرية التومة جنوب الشيخ زويد عن مخطط لإقامة محطة صرف صحي عملاقة على كامل أراضي القرية، تلتها لجنة أخرى عاينت المنطقة الواقعة بين قرى المقاطعة والخرافيين وقوز أبو رعد والماسورة والوفاق، وأخبرت اﻷهالي بوجود مخطط لإقامة منطقة صناعية كبرى في المنطقة.

اليوم يشعر الأهالي بغدر النظام وخيانته لهم، وتبين للجميع أن السيسي وجيشه لا عهد لهم ولا ميثاق؛ وأن دماء أبنائهم التي أريقت إلى  جانب الجيش والشرطة ضد تنظيم "ولاية سيناء" ذهبت هدرا ولم يضع الجيش أو النظام لها اعتبارا.

 

مشروعات صفة القرن

اللافت أن مخطط هذه المشروعات التي شرع السيسي في إقامتها تتطابق مع مخطط تنموي منشور على موقع محافظة شمال سيناء بعنوان «الخطة الاستراتيجية – رؤية المحافظة 2030»، يتضمن إقامة منطقة صناعية كبرى في أجزاء من رفح والشيخ زويد تضم: مجمع صناعي قائم على زراعة الموالح على مساحة 25 فدانًا، ومجمع صناعي قائم على النخيل على مساحة 125 فدانًا، ومجمع صناعات غذائية على مساحة 175 فدانًا، إلى جانب مركز خدمات لوجستية في رفح الجديدة، كذلك تضمن المخطط إقامة خمس محطات صرف صحي في الشيخ زويد، مع تأكيد أن المحافظة تعمل على إزالة التعديات على تلك الأراضي.

وخلال اجتماع في مقر جهاز المخابرات بسيناء حضره قيادات عسكرية نواب المحافظة وشيوخ قبائل ورجل الأعمال السيناوي المقرب من أجهزة الدولة، إبراهيم العرجاني، نهاية سبتمبر 2022م  ، عرضت خلاله القيادات اﻷمنية تصورًا لإعادة تخطيط المنطقة الشرقية من شمال سيناء؛ الشيخ زويد ورفح، بإلغاء تقسيم المدينتين القديم بعد استبعاد المناطق التي ستدخل في المخطط التنموي، على أن يتم إنشاء تجمعات سكنية مشابهة لتلك التي أقيمت في وسط سيناء خلال 2021م، بهدف توطين عدد من سكان وسط وشمال سيناء، خاصة من رفح والشيخ زويد، والتي تم تقسيمها لمنازل كل منها ملحق به خمسة أفدنة، غير أنها لم تلق إقبالًا من أبناء سيناء، لطبيعة تقسيمها التي فصلت بين المنازل واﻷراضي الزراعية، وقُرب المنازل من بعضها على عكس الخصوصية المعتادة في البيئة البدوية، فضلًا عن ارتفاع أسعار التملك فيها، التي وصلت إلى 800 ألف جنيه للمنزل وخمسة أفدنة. في ذات الوقت فإن إبراهيم  العرجاني يشتري قطع أراضي من أصحابها الأصليين في المنطقة المخصصة لهذه المشروعات  بأسعار مرتفعة؛ ما يثير كثيرا من الألغاز والتساؤلات حول علاقة هذه المخططات بصفقة القرن  وعودة نتنياهو رئيسا لحكومة الاحتلال.