بعد أن نهبوا خيراتها.. العسكر يرفضون دعم موازنة مصر المتعثرة

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إثر عجز الجنيه وتراجع قيمته وندرة السلع الاستراتيجية وتراجع المخزون الاستراتيجي من  السلع الأساسية، وتراجع التصدير وعوائد السياحة وتأزم مفاوضات الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، الذي يصر على شروط صعبة نظرا لرؤيته السلبية  للاقتصاد لمصري وزيادة الفجوات التمويلية، وعجز ميزان المدفوعات.

وفي ظل الأزمة الممتدة، تسعى حكومة الانقلاب لإقناع المانحين الدوليين بتمويل العجز المالي المصري، إلا أن الممولين والمانحين الدوليين لنظام السيسي، رفعوا أيديهم عن السيسي الفاشل، وباتوا أكثر رفضا لمنح مصر أية مساعدات أو ودائع دولارية،  متجهين نحو استبدال ديونهم المستحقة على مصر بالاستحواذ على أصول مصرية، وهو ما تسارع فيه حكومة السيسي نحوه.

ومع  إعلان وثيقة ملكية الدولة المصرية، التي تتخلى بموجبها عن الشركات العامة والاستثمارات الكبيرة لصالح المستثمرين الأجانب، الذين يكلبون الاستحواذ على شركات معينة، كشركات الجيش العديدة والممتدة في جميع جوانب الاقتصاد المصري، بات التململ كبيرا من قبل القيادات العسكرية المسيطرة على المشاريع واقتصاد الجيش، البعيد عن الرقابة والمحاسبة. وهو ما يقابله السيسي بضغوط عديدة على المؤسسة العسكرية ومحاولات لإقناعها بالتنازل عن بعض الشركات.

 

"صندوق مصر للطروحات"

وتنتظر صناديق سيادية مالية خليجية، ترجمة إعلان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، عن الانتهاء من تأسيس "صندوق مصر للطروحات" وصياغة عقود مبادلة الديون بأصول الدولة. وتكررت طوال الفترة الماضية، محاولة إقناع المؤسسة العسكرية المصرية، بضرورة التنازل عن بعض الأصول المملوكة للقوات المسلحة وبيعها لدول خليجية، في محاولة للخروج من الأزمة السياسية التي تحيط بالنظام الحاكم في مصر نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.

وكان السيسي قد اجتمع الأسبوع الماضي مع الفريق أحمد خالد، قائد القيادة الاستراتيجية والمشرف على التصنيع العسكري، واللواء أحمد فتحي خليفة رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، واللواء كمال وفاء رئيس هيئة تسليح القوات المسلحة.

كما ضم الاجتماع اللواء محرز عبد الوهاب، القائم بأعمال رئيس المخابرات الحربية، واللواء بكر البيومي مدير إدارة الإشارة للقوات المسلحة، واللواء أكرم الجوهري مدير إدارة نظم المعلومات للقوات المسلحة، واللواء محمد سعيد مساعد مدير إدارة الإشارة للتسليح. وذلك لمناقشة الخطط لبيع بعض أصول الجيش، ولكن جاء تحت ستار مناقشة "الموقف التنفيذي لإنشاء الشبكة الوطنية الموحدة للطوارئ والسلامة العامة" حسب مصادر تحدثت لوسئل إعلام عربية.

ووقع خلاف بين قادة المؤسسة العسكرية والسيسي بشأن خطوة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في البورصة.

ومع تعثر مفاوضات مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد ، وسط مفاوضات شاقة مع بعثة الصندوق، من أجل التسريع بالحصول على القرض، لمواجهة أوجه الإنفاق الملحّة في الوقت الراهن.

وتشهد المفاوضات تعثرا في الوقت الحالي، ما استدعى سفر وزيرة التعاون الدولي رانيا المشاط، في محاولة لحلحلة موقف إدارة الصندوق، المتمسك بعدم صرف أي دفعات من القرض قبل إحداث مصر زيادة في الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي، يحسّن من وضع العملة المحلية، وكان السيسي يعوّل كثيرا على طرح مجموعة من الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية في البورصة، في ظل اهتمام بالغ من جانب الصناديق الخليجية بهذه الفئة من الشركات.

 

خلافات حول البورصة

لكن خلافا وتباينا كبيرا وقع بين الطرفين بشأن خطوة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في البورصة، ما أدى لتأجيل تلك الخطوة التي كان مقررا أن تكون أولى حلقاتها نهاية سبتمبر الماضي، ما أثر سلبا على حجم العوائد الدولارية التي كانت تعوّل عليها الحكومة في المفاوضات مع صندوق النقد.

وفي يوليو الماضي، قال المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي إن "الحكومة المصرية بحاجة إلى اتخاذ مزيد من الخطوات، لتعزيز تطوير القطاع الخاص وتحسين الحوكمة وتقليص دور الدولة".

وأضاف المجلس في بيان بعد اجتماعه لتقييم برنامج القرض الأخير لمصر، أن القاهرة بحاجة إلى إحراز تقدم حاسم بشأن إصلاحات مالية وهيكلية أعمق، لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد وجعله أكثر مرونة في مواجهة الصدمات.

يشار إلى أن المشاورات الجارية بين المؤسسة العسكرية في مصر والقيادة السياسية، بشأن تحريك المشهد الاقتصادي وحل أزمة القرض المعطل عبر طرح الشركات، لا تزال مستمرة وسط تمسك من جانب قادة المؤسسة العسكرية بجعل تلك الخطوة آخر الحلول، وعقب نفاد كل الحلول الأخرى.

فيما ينظر قادة القوات المسلحة المعنيين بهذا الملف، إلى الكثير من الامتيازات الاقتصادية التي تم سحبها منهم أخيرا لصالح جهات سيادية أخرى، وأنه في الوقت الذي يتم فيه الضغط على القطاع الاقتصادي للقوات المسلحة، يسحب الكثير من امتيازاتهم لصالح جهات أخرى بدلا من تعويضها.

وتتسارع تحركات بديلة من جانب القاهرة، لحل أزمة المفاوضات المتعثرة مع صندوق النقد الدولي، في ظل الحاجة الماسة للسيولة الدولارية للتعامل مع الاحتياجات الملحة التي تفرض نفسها في الوقت الراهن، وفي مقدمتها تراجع المخزون السلعي لعدد من المحاصيل الاستراتيجية نتيجة تراجع السيولة الدولارية، الأمر الذي من شأنه أن يفجر أزمة كبيرة حال عدم تداركه.

 

البحث عن دعم جديد

وتسببت الأزمة الاقتصادية في تعطيل التعاقدات على شحنات قمح جديدة، إذ تطالب حكومة الانقلاب بتعاقدات على شحنات قمح جديدة، لتدخل إلى الصوامع للتخزين في يناير المقبل.

وكانت إدارة السيسي فتحت خطوط اتصال مع 4 أطراف خليجية، من أجل العودة مجددا للدعم الاقتصادي المتمثل في الودائع الدولارية في البنك المركزي، باعتباره أسرع حل لإنقاذ مفاوضات صندوق النقد الدولي.

وطلبت مصر من كل من السعودية وقطر والإمارات والكويت، الدفع بودائع دولارية تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، هذا بخلاف مسار المفاوضات الجارية بشأن الاستحواذات الاستثمارية من جانب الصناديق الخليجية على عدد من الشركات المصرية، إلا  أن القاهرة تلقت ردودا سلبية من كل من السعودية والإمارات بشأن المطلب الخاص بتقديم ودائع، مؤكدتين استعدادهما للانخراط الجاد في أي مفاوضات بشأن استحواذات جديدة تطرحها القاهرة".

وكانت الإمارات على وجه الخصوص قدمت تصورا بعيدا عن الفرص المطروحة من الجانب المصري، مثلت فيه استثمارات تابعة للقوات المسلحة بشكل مباشر، بنسبة 30 %.

ومع استمرار رفض الجيش التنازل عن امتيازاته ومزاياه الاقتصادية التي  تحصل على أغلبها في ظل حكم السيسي والعسكر، الذين استحوذوا على اقتصاد مصر بالأمر المباشر، ووفق المتحدث العسكري فقد بلغت عدد مشاريع الجيش التي كان ينفذها في العام 2021 أكثر من 2400 مشروعا ، بالأمر المباشر، وقدرت دراسات غربية استحواذ الجيش على 60% من الاقتصاد المصري ، وكان السيسي خرح عقب الانقلاب العسكري، ليؤكد أن أموال الجيش هي عرق الجيش ، ولا يمكن أن ينازعه فيها أحد، كما يعفي السيسي مشاريع الجيش غير العسكرية من كافة أنواع الضرائب والرسوم والجمارك، وهو ما يقضي على قواعد التنافسية والعمل الاقتصادي، ويتسبب في هجرة الاستثمارات وخروجها من مصر.

وكان الخبير الاقتصادي الدولي محمود وهبة اقترح لعلاج الأزمة الاقتصادية المصرية، توحيد موازنات الدولة المصرية، سواء الموازنة العامة للدولة وموازنة الجيش والصناديق الخاصة، وهو ما يغني مصر عن أية قروض ويسدد الديون المصرية ويحقق رفاهية عامة في البلاد، إلا أن النهم العسكري للاستيلاء على أموال المصريين مستمر.