أمام الانتقادات الحادة التي قوبل بها قرار نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بشأن الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بحوالي 2400 جنيها فقط والذي يفترض أنه تم العمل به بداية من يناير 22م، إضافة إلى غياب أي ضمانات تفرض على شركات القطاع الخاص الالتزام به، قررت حكومة السيسي فرض غرامة قدرها 500 جنيه على الشركات التي يتمتنع عن تطبيق الأدنى للأجور. القرار يثير كثيرا من السخرية والدهشة؛ لأن الغرامة المفروضة قليلة إلى الحد الذي يثير الضحك والسخرية إضافة إلى عدم وجود آليات حكومية لتنفيذ تحصيل هذه الغرامة.
وفي نهاية مارس 2020، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري بيانات التعداد الاقتصادي المصري لعام 2018، (تتم كل خمس سنوات)، كشف أن عدد المشتغلين في مصر بلغ نحو 26.021 مليون شخص، معنى ذلك أن العاملين بالقطاع الخاص والمهن الحرة يصل عددهم إلى نحو 21 مليونا؛ استنادا إلى أن عدد العاملين بالحكومة نحو 5 ملايين وفقا لتصريحات وزير المالية.
الغرامة فرضتها وزارة القوى العاملة بحكومة الانقلاب واعتبرتها نفس عقوبة الامتناع عن صرف أجور العاملين المنصوص عليها في قانون العمل، وذلك في كتابها الدوري الصادر في أول شهر فبراير الجاري لتفسير قرار وزيرة التخطيط رقم 57 لسنة 2021 بشأن إقرار حد أدنى للأجور بالقطاع الخاص قيمته 2400 جنيه.
ويعلق المنسق العام لدار الخدمات النقابية كمال عباس على القرار بقوله إن تطبيق الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص لا يلزمه كتبًا دورية، ولكن يلزمه الإقرار به داخل قانون العمل، موضحًا أن الحد الأدنى لا يقر بقرار وزاري ولكن بنص داخل قانون العمل حتى يكون ملزمًا، كما أن نص القانون لا بد أن يشتمل على زيادة دورية للأجر تتناسب ومعدلات التضخم المحلية. وتنص المادة 274 من قانون العمل على أن «يعاقب صاحب العمل أو من يمثله عن المنشأة بغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تتجاوز 500 جنيه، وتتعدد الغرامة بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم الجريمة وتضاعف الغرامة في حالة العود».
واعتبر عباس أن المشكلة في العقوبة ليست في قيمتها المالية وإنما في «إلى أي مدى يتم تطبيقها»، موضحًا ــ وفقا لموقع «مدى مصر» ــ أن العقوبة غير فاعلة نظرًا لعدم وجود ضبطيات من إدارات التفتيش بمديريات القوى العاملة، كما أن آليات تنفيذ قانون العمل وغيره من القرارات الوزارية المتعلقة بالعمال تتمثل في وزارة القوى العاملة والنقابات.
ويتفق معه المحامي العمالي ياسر سعد مع عباس قائلًا: «المشكلة عندنا أنه مفيش حد بيتحرك». ووصف عباس مديريات القوى العاملة وإداراتها التابعة بالضعيفة في تنفيذ القانون، فيما وصف وضع النقابات بـ«المحاصرة»، وبالتالي لا يوجد آليات حقيقية وفاعلة لتنفيذ القرار.
وشدَد كتاب «القوى العاملة» على المديريات ضرورة تحري الدقة فيما يتعلق باستثناء المنشأة من عدمه قبل توقيع العقوبة، وبحسب بيانات المجلس القومي فقد تم استثناء 5890 منشأة من تطبيق الحد الأدنى للأجور، حيث قرر المجلس استثناء المنشأت التي تقدمت بطلب استثناء لحين دراسة وضع المنشأة. وقد استقبل المجلس 3090 طلبًا فرديًا و2800 طلب من 22 قطاعًا من يوليو حتى نهاية أكتوبر 2021م. ويتيح القرار الوزاري لـ«الحد الأدنى للأجور» بموجب المادة الثانية منه استثناء المنشآت المتعثرة من دفع الحد الأدنى للأجر بشكل مؤقت على أن يتم مراجعة أوضاعها الاقتصادية بشكل دوري حيث تنص المادة أنه «حال تعرض المنشأة لظروف اقتصادية يتعذر معها الوفاء بالحد الأدنى للأجر يجوز لها أن تتقدم بطلب الاستثناء من الالتزام المشار إليه من خلال الاتحادات التابعة لها على يتضمن الطلب مبررات الإعفاء وأن يكون مشفوعًا بالمستندات الدالة على ذلك».
وكان "المجلس القومي للأجور"، برئاسة وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد، قد اعتمد 2400 جنيه شهرياً، أي ما يعادل 152 دولاراً تقريباً، حداً أدنى للأجور شهرياً في مؤسسات القطاع الخاص، اعتباراً من 1 يناير 2022. غير أن المجلس وافق لاحقاً على طلبات أكثر من 6 آلاف منشأة بشأن إرجاء تطبيق هذا الحد، بدعوى الظروف الاقتصادية الناجمة عن أزمة فيروس كورونا؛ وهو ما يفرغ القرار من محتواه، إضافة إلى عدم وجود رقابة حكومية على القطاع الخاص تلزمه بتنفيذ الأدنى للأجور. ويعد نحو 80% من القوى العاملة في مصر هم من العاملين في القطاع الخاص.
ولكل هذه الأسباب دعت نقابة العاملين بالقطاع الخاص إلى إيجاد آلية ملزمة لتطبيق الأدنى للأجور بمنشآت القطاع الخاص البالغ عددها نحو عددهم 3 ملايين و738 ألف منشأة، ويعمل بها نحو 35 مليون عامل، وفق تقديرات شعبان خليفة رئيس النقابة في بيان له في ديسمبر 2021م، في ظل تهرب أرباب العمل عن تنفيذ القرار بدعوى تفشي جائحة كورونا.
وفي 18 يناير 22م، قرر السيسي رفع الأدنى للأجور للعاملين بالحكومة إلى 2700جنيه، الأمر الذي أثار انتقادات حادة من جانبين: الأول هو ضعف الزيادة مقارنة بحجم التضخم والغلاء الفاحش. والثاني، عدم المساواة بين العاملين في الحكومة العاملين في القطاع الخاص، وطالبت بعض الجهات الحقوقية بضرورة فرض حد أدنى للأجور على المستوى القومي دون تمييز أو استثناءات لبعض الجهات كالجيش والشرطة والقضاء والبترول والكهرباء.
ويتزامن قرار رفع الأدنى للأجور مع توجهات السيسي نحو تقليص مخصصات الدعم والإصرارعلى رفع أسعار الخبز وباقي السلع الأساسية المدعومة على بطاقات التموين؛ وهو ما يعني بشكل واضح أن السيسي يستبق هذه القرارات المؤلمة برفع أسعار الخبز والسلع الغذائية برفع الأدنى للأجور؛ على أمل أن يكون ذلك أحد أدوات السلطة في احتواء أي احتجاجات مرتقبة. وكان السيسي قد كشف عن نيته تنفيذ مذبحة في مخصصات الدعم بحذف عشرات الملايين من الفقراء. وفي يوم 22 ديسمبر 2021م قال السيسي: «اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش ــ قلت لا يمكن أدي بطاقة تموين تاني لحد بيتجوز». وهي التصريحات التي تضع مستقبل الدعم في مصر على كف عفريث ويهدد نحو 70 مليون مصري بحرمانهم من الدعم، والتوقف عن إصدار أي بطاقات تموين جديدة. وفي 04 فبراير 22م رفع السيسي أسعار الوقود بقيمة 25 قرشا وهو ما ترتب عليه زيادة تعريفة الركوب ورفع أسعار عدد من السلع والخدمات.