تدهور اقتصادي وقمع أمني وفساد مالي.. متى ينتفض المصريون؟

- ‎فيتقارير

خلال السنوات الماضية التي تلت انقلاب 03 يوليو 2013م، تشهد مصر قمعا أمنيا غير مسبوق في تاريخ مصر يعلمه القاصي والداني، حتى باتت مصر مضرب الأمثال في الظلم والانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان. ورحم الله الداعية الإسلامي الشيخ عبدالحميد كشك عندما قال في بعض خطبه :«إن تسعة أعشار الظلم في مصر، أما العشر الباقي فإنه يطوف بلاد العالم ثم يعود ليرقد ليلا في القاهرة». ومن العجيب حقا أن لفظ «السجن» ما ورد في القرآن الكريم في كثير من الأحيان إلا مقرونا بمصر، وذلك معلوم في سورة يوسف. ولم يذكر القرآن بلدا ظلم نبيا وأودعه السجن ظلما وزورا لعفته ونبله واستقامته إلا مصر؛ ولو انحرف وزنا بامرأة العزيز لما دخل السجن قط! ورغم ثبوت براءته إلا أنهم زجوا به في السجن ظلما وطغيانا، {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَیَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِینࣲ}.

كما تشهد مصر تدهورا اقتصاديا حادا، فقد تضخت الديون إلى مستويات مرعبة، وتزايدت معدلات الفقر حتى بلغت وفق تقديرات البنك الدولي نحو 60% من المصريين، بعيدا عن أرقام حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الملعوب فيها والتي تعمل على رسم صورة مزيفة للأوضاع في مصر عبر التلاعب في البيانات والأرقام الرسمية الخاصة بالاقتصاد على نحو مخصوص. وأمام تراجع إيرادات الدولة وتوقف معونات الخليج  لجأ السيسي إلى مصدرين: الأول هو نهب أموال المواطنين بالرسوم المجحفة والضرائب الباهظة حتى بات على كل شيء ضريبة، ويتبقى فقط أن يدفع الناس ضريبه على التنفس. يبرهن على ذلك تصريحات وزير المالية محمد معيط بأن 80% من إيرادات الموازنة العامة للدولة من الضرائب والتي تصل إلى نحو 983 مليار جنيه من أصل الإيرادات في الموازنة الجارية. الثاني هو الاعتماد على القروض المحلية والخارجية على نحو ارتفعت به الديون المحلية من 1.3 ترليون جنيه في يونيو 2013 إلى نحو 5 ترليون حاليا، والديون الخارجية ارتفعت من 43 مليار دولار إلى أكثر من  140 مليار حاليا.  وتكرست الطبقية على نحو مرعب فبات هناك أقلية حاكمة تتمتع بكل الثروات وأغلبية شعبية باتت محرومة من كل شيء وتتحمل في الوقت ذاته تكاليف ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

انعكست هذه الأوضاع على الناس والمجتمع، ويمكن لأي منصف أن يرصد مؤشرات ودلائل كبيرة على تفكك المجتمع وتمزقه وانحلاله اجتماعيا وأخلاقيا؛ فقد تمزق النسيج الوطني بفعل الانقلاب ومذابحه، وتزايدت معدلات الجريمة والعنف المجتمعي لعدة أسباب أبرزها، الفقر والبطالة وأهمها أن السيسي أصَّل بانقلابه ومذابحه "العنف" كوسيلة من وسائل السطو والاغتصاب كما فعل هو تماما بانقلابه ومذابحه.

تراجعت مكانة مصر، وفرط النظام في ترابها الوطني؛ كما جرى في جزيرتي "تيران وصنافير" كما غض الطرف عن الحقوق المصرية في ثروات مصر بغاز المتوسط، وتنازل عن حقوق مصر المائية بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، ومنح إثيوبيا وضعا متميزا مكنها من ابتزاز مصر وفرض إرادة الحبشة على مصر وشعبها، ولا يزال  نظام السيسي يقف عاجزا عن حماية مصر وأمنها القومي، ويغطي على هذا الفشل الذريع بأكوام من الدعاية الكثيفة الرخيصة التي تستهدف تمجيده على جرائمه والإشادة به على فشله، ومنحه أنواط الشجاعة على انقلابه وسفكه لدماء عشرات الآلاف من المصريين وتفريطه في تراب مصر الوطني.

أمام هذه المعطيات الكارثية، يطرح كثيرمن الباحثين والمهتمين بالشأن المصري سؤالا جوهريا: متى يثور المصريون؟ متى ينتفضوا على هذا الظلم وتلك الأوضاع الكارثية؟ وهل يمكن أن يتخلصوا من هذه العصابة وتلك الشبكة الجهنمية من مافيا الحكم المرتبطة بالجيش والشرطة والمخابرات؟ وهل يمكن أن يتحرر المصريون من نظام حكم الأجهزة لتكون السيادة للشعب حقا؟ وهل يتمكن الشعب من تحرير مصر وقرارها الوطني وبسط سيادته على بلاده لا سيما وأن التجربة برهنت على أن الجيش نفسه مختطف لحساب هذه الحفنة القليلة من الجنرالات؟ ألا يعلم المصريون أن طبقة الحكم في بلادهم تعمل لصالح إسرائيل أكثر مما تعمل لمصلحة مصر وشعبها؟ فلماذا لا يتحركون؟

حقيقة الأمر أن الشعب على وعي تام بجرائم الحكام، لكنه فقط يترقب الفرصة التي تمكنه من التغيير حقا، ولا يريد أن تستنزف طاقته في حراك لم تتوافر له مقومات النجاح، لا سيما وأن تجارب مع جرى في أعقاب الانقلاب وانتفاضة تيران وصنافير ثم انتفاضة المترو وسبتمبر 2019 ثم سبتمبر 2020، كلها تبرهن على ضرورة ترشيد الحراك على نحو يضمن تقليل الخسائر في ظل قمع أمني غير مسبوق. قد يقول قائل: لكن هكذا لن يكون هناك وقت قد تشتعل فيه ثورة من جديد لأن النظام يقظ لدرجة غير مسبوقة وصمم نظاما أمنيا قمعيا ليس له مثيل في العالم. لكن التجارب تؤكد أن هذه القبضة هي برهان ضعف وهشاشة وليست انعكاسا لقوة حقيقية، وهذه القبضة المشدودة لن تبقى هكذا على الدوام، وحتما سترتخي في لحظة ما ساعتها يجب على الشعب أن يكون مستعدا ليجهز على هذه العصابة الصهيونية.

وكانت ورقة بحثية نشرتها المعهد المصري للدراسات في 2016م، بعنوان: «هل يثور المصريون؟ متى وكيف؟»، تذهب إلى أن الشعب المصري في حالة ثورة مستمرة، لكن المشكلة دائما في مآلات تلك الثورات، وأنها عادة ما ينتهي بها المطاف إلى  الفشل في تلبية طموحات الشعب وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال، وأن فريق الثورة لم يتمتع قط بالخبرة والوعي اللازمين لإنجاح أي من هذه الثورات بشكل يحقق أهدافها ومبادئها.

وتقوم معادلة الثورة وفق هذه الورقة البحثية على ثلاثة أضلاع:

  1. الأول: النخبة المبدعة المحنكة التي تضع التصورات وتضبط الخطاب السياسي.
  2. الثاني: القيادة الميدانية التي تحرك الجماهير وتشعل الحماس وتجند المناصرين للثورة.
  3. الثالث، هي القاعدة الجماهيرية  العريضة والتي لا تتحرك إلا بناء على (التكلفة والعائد والإمكانية) وهي عادة تحجم عن المشاركة في الثورة في بداية المطاف لكنها تلتحق لاحقا عند نقطة حدية. ويقصد بها اللحظة التي تتسم بالأمان النسبي نتيجة خفوت أو إخفاق المستبد فى شيء ولو طفيف، وهذا الأمان النسبي يقلل بالضرورة من معامل التكلفة ويزيد من معاملي العائد والامكانية مما يجعل تدخل الجماهير العريضة ممكنا ومحفزا، هنا يتغير كل شيء ويتحول مسار الثورة نحو الحسم.

لكن الورقة البحثية تنبه إلى ضرورة الوعي بما سمته بــ” لحظة الحسم الوهمى “ وهى تلك اللحظة التى يتوهم الشعب أنه انتصر وحان جني الثمار، ومعظم ثورات الشعب المصري كان داؤها تشخيصا وقراءة خاطئة للحظة النصر والحسم الوهمى على أنها نصر نهائي وحسم حقيقي، وفى هذه اللحظة بالذات تكمن الضرورة القصوى والأهمية الحرجة ” للقلة المبدعة “ فهم القادرون بحنكتهم على تحويل لحظة النصر الوهمية  إلى لحظة حقيقية يتم فيها الإجهاز الكامل على الخصم. وبحسب الدراسة فإن مشكلة المشهد المصري منذ 2011م، أن الضلع الأول «القلة المبدعة» لم تكن "محنكة" بالقدر الكافي وافتقدت الخبرة الكافية لإنجاز الحسم الثوري عندما لاح لها ذلك، مع الإقرار بوجود قادة ميدانيين شجعان وكذلك جماهير عريضة وصل منسوب الغضب بها إلى مستويات تفوق ما كان قائما قبل 25 يناير 2011م، وهو ما يحتاج إلى نقاش هادئ.