يبدو أن طاغية تونس الجديد قيس سعيد يمضى على خطى أسلافه من الطغاة والمستبدين، حيث هاجم سعيد الإسلاميين في بلاده وهم الحزب الأكثر شعبية واتهم أطرافا لم يسمها بمحاولة اغتياله والتفكير في القتل والدماء لضرب الدولة التونسية على حد زعمه.
وقال سعيّد، في كلمة له خلال توقيع اتفاقية لتوزيع مساعدات اجتماعية للعائلات الفقيرة ومحدودة الدخل التي تضررت من تداعيات كورونا : "أعرف ما يدبرون وأقول لهم: أنا لا أخاف إلا الله رب العالمين، بالرغم من محاولاتهم اليائسة التي تصل إلى التفكير بالاغتيال والقتل وسفك الدماء". وأضاف مدعيا: "يفكرون في الاغتيال ويفكرون في الدماء، سأنتقل إن مت اليوم أو غدا شهيدا إلى الضفة الأخرى من الوجود عند أعدل العادلين، طريق الحق صعبة شاقة، ولكن الحق هو من أسمائه تعالى"، في إشارة إلى محاولة اغتياله.
هل يتكرر حادث المنشية في تونس؟
تصريحات قيس سعيد تعيد إلى الأذهان المؤامرة التي دبرها طاغية مصر جمال عبدالناصر سنة 1954م، وهي حادثة المنشية؛ حيث كان عبدالناصر طامعا في السلطة بشغف لا يقاوم وفي سبيل ذلك أطاح بكل من يقف في طريق أطماعه في السلطة أطاح بالأحزاب والمجتمع المدني ووضع الرئيس محمد نجيب رهن الإقامة الجبرية، لأنه كان ينحاز إلى الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، ثم اتجه نحو جماعة الإخوان المسلمين والتي كانت الأكثر شعبية وجماهيرية لأنها أيدت نجيب في مطالبه بالديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته وإقامة نظام ديمقراطي مدني وفقا لما تسمى بمبادئ الثورة.
وفي أكتوبر 1954 كان عبدالناصر يخطب في ميدان المنشية، قبل أن يحدث إطلاق نار عشوائي ليقف عبدالناصر مخاطبا الجموع لا تخافوا إذا مات عبدالناصر فكلكم عبدالناصر! وهو بحسب مراقبين سلوك يبرهن على أن الحادث مفتعل لأنه لو كان حقيقيا وفاجأ عبدالناصر لتم إنزاله فورا من فوق المنصة ووضعه في مكان آمن كما يفعل الحرس في مثل هذه المواقف في كل بلاد العالم.
دبر عبدالناصر هذه الحيلة من أجل اتخاذها ذريعة للقضاء على الإخوان المسلمين، وتم القبض على شخص يدعى محمود عبداللطيف واتهامه بالمحاولة، لكن على نويتو أحد قادة الإخوان من شعبة إمبابة التي كان ينتمي إليها عبداللطيف ينفي كل روية النظام الناصري ويؤكد أن حادثة المنشية مدبرة من أجهزة عبدالناصر للقضاء على الإخوان ويؤكد أن عبداللطيف اعتقل من بيته في إمبابة وليس في المنشية وقت المحاولة. كما أن عبداللطيف ـ بحسب نويتو ــ كان من أمهر الرماة ولو كان حقا يريد قتل عبدالناصر لفعل ذلك لو كان في الحفل حينها كما يدعون.
في إثر هذه الحادثة المدبرة جرت أكبر حملة اعتقالات بحق عشرات الآلاف من قادة وأنصار الجماعة كما حوكم بعضهم عسكريا وقتل العشرات في صحراء مصر بدعوى محاولة الهروب من السجن.
قيس سعيد يستعيد هذه المؤامرات التي دبرها أسلافه من الطغاة والمتكبرين في الأرض حتى يتخذ منها ذريعة للتنكيل بحركة النهضة والإسلاميين في تونس، وتصريحاته تبرهن على ذلك.
حيث يضيف سعيد في تصريحاته: "ليست هذه التدابير الاستثنائية التي نرغب في اتخاذها، ولو رغبنا في القيام بها لفعلنا؛ لأنّ لدينا الصواريخ على منصات إطلاقها، وتكفي إشارة واحدة لتضربهم في أعماق الأعماق، ولينتبهوا إلى ما يفعلون". وتوجه سعيّد إلى عدد من السياسيين قائلا؛ "إنهم يدعون اعتماد مرجعية إسلامية، أين هم من الإسلام ومن مقاصد الإسلام؟ كيف يتعرضون لأعراض الناس ويكذبون؟ والكذب بالنسبة لهم من أدوات السياسة". دون أن يوضح سعيد في أي موقف كذبوا لكنها الاتهامات الجزافية من شخص أرعن فقد جميع مقومات الحكم الرشيد.
وقد يتجه سعيد إلى بعض الفوضى حتى يكرس سلطويته الجديدة، حيث تحدث سعيّد عن أطراف تتآمر على الدولة: "اعتادوا العمل تحت جنح الظلام والخيانة، عملوا على تأليب دول خارجية على الرئيس والنظام"، مستطردا: "هناك من يفكر في زرع القنابل والمتفجرات، سيتم التصدي لهم ولن يصلوا إلى ما رتبوا له". وختم الرئيس التونسي حديثه قائلا: "لن نتراجع للوراء، لا عودة للوراء، لن يعود التاريخ للوراء".
وهاجم الرئيس التونسي الفصل السادس من الدستور الذي ينص على أن "الدّولة راعية للدّين، كافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التّوظيف الحزبي. تلتزم الدّولة بنشر قيم الاعتدال والتّسامح وبحماية المقدّسات، ومنع النّيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التّكفير والتّحريض على الكراهية والعنف وبالتّصدّي لها". وهو ما يمثل برهانا إضافيا على أن قيس سعيد يتجه نحو إجراءات عنيفة لكنه يبحث عن ذريعة يخاطب بها الناس لتبرير هذه الممارسات السلطوية الاستبدادية.
وتعيش تونس أزمة سياسية حادة منذ قرر سعيد في 25 يوليو 2021م، تجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، ضمن إجراءات استثنائية، ضمن مبرراتها تدهور الاقتصاد والفشل في إدارة أزمة جائحة كورونا. لكن غالبية الأحزاب، وبينها حركة "النهضة" الأكبر تمثيلا في البرلمان، رفضت تلك القرارات، واعتبرها البعض "انقلابا على الدستور"، بينما أيدها البعض الآخر ورأى فيها "تصحيحا للمسار".