للبلطجية وأرباب السوابق فقط.. لغز قوائم «العفو» وهل يعفو الظالم عن المظلوم؟!

- ‎فيتقارير

عندما ننظر إلى القرارات الإدارية التي يصدرها الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بين الحين والآخر بالإفراج عن عدد من المسجونين وأصحاب الأحكام والتي يطلق عليها قوائم العفو الرئاسي، يكاد المرء يصاب بالدهشة؛ ذلك أن كلمة العفو إنما تصدر عن صاحب حق قد جرى الاعتداء عليه، وبالتالي فإنه يقدم الصفح والتسامح على طلب القصاص أو الثأر. ُمُنح رؤساء الدول هذا الامتياز على اعتبار أنهم يمثلون أولياء الدم أو وكلاء عن الأمة التي اختارتهم بشفافية ونزاهة في سياق ديمقراطي . لكن في حالة السيسي فإن الجنرال باطش ظالم قد أولغ في دماء الأبرياء بوحشية مفرطة تجعل من كلمة العفو الصادرع عنه مجرد مزحة أو فكاهة لا تثير الضحك بقدر ما تثير الحزن والأسى على ما آلت إليه أوضاع الأمة المصرية. من جهة ثانية فإن هذه القوائم الإدارية باتت تقتصر على البلطجية والمجرمين وأرباب السوابق الذين ارتكبوا جرائم تستحق العقوبة التى صدرت ضدهم.
ماذا عن المعقتلين السياسيين؟
هؤلاء لهم وضعية خاصة تثير الأسى والحزن؛ ذلك أنهم في الحقيقة أبرياء جرى الانتقام منهم وإدانتهم من جانب القضاء المسيس لاعتبارات تتعلق بآرائهم ومواقفهم السياسية، معنى ذلك أنهم تعرضوا لظلم مبين من جانب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، فمن يطلب العفو ممن؟ أيطلب المظلوم العفو من الظالم؟ أم أن الظالم (السيسي) هو من يجب أن يطلب العفو من المظلومين (المعتقلين السياسيين)؟! ورغم هذه الحقيقة المرة إلا أن ما تسمى زورا بقوائم العفو الرئاسي تخلو عادة من أسماء الأبرياء المعتقلين، وهو ما يمثل حالة إصرار عجيب من جانب سلطات الانقلاب على المضي في الظلم والاضطهاد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
قرارات السيسي تكشف عن سعيه لنشر الفوضى والبلطجة فى المجتمع المصرى وترويع الآمنين، ولذلك انتشرت الجرائم فى الفترة الأخيرة من قتل وتحرش واغتصاب وخطف وسرقات واعتداءات، إلى آخر هذه الجرائم؛ لأن البلطجية الذين يتم الإفراج عنهم توجههم دولة العسكر إلى هذا الاتجاه لينشروا الخوف والرعب بين المصريين. حتى يبقوا أسرى للخوف والحاجة إلى الدولة حتى لو كانت باطشة ظالمة ومفلسة سياسيا وأخلاقيا وفاشلة على كافة الأصعدة والمستويات.
كان السيسي قد أصدر قرارا بالإفراج عن 1686 سجينا؛ بمناسبة شهر رمضان. وعقد قطاع السجون لجانا لفحص ملفات نزلاء السجون على مستوى الجمهورية لتحديد مستحقى الإفراج، وانتهت أعمال اللجان إلى الإفراج عن 1686 سجينا أغلبهم من الجنائيين. يشار إلى أن قرارات السيسي اقتصرت على الإفراج عن سجناء جنائيين أدينوا في قضايا قتل عمد وأعمال عنف وبلطجة.
• في سبتمبر 2017، أصدر قرارا بالعفو عن مئات السجناء، كان بينهم رجل الأعمال الشهير “هشام طلعت مصطفى”، والذي أدين بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية “سوزان تميم”، وحكم عليه بالسجن 15 عاما.
• وفي مايو 2018، صدر قرار بالعفو عن أحد أشهر البلطجية أثناء ثورة يناير 2011، والمعروف باسم “صبري نخنوخ”، ليطلق سراحه بعد 6 سنوات من حكم عليه بالمؤبد 25 عاما .
• وفي يناير 2020، أصدر “السيسي” قرارا بالعفو عن ضابطين متهمين بتعذيب مواطن حتى الموت، هما الرائد “المزمل نافع”، والنقيب “عمر أحمد أبوعقرب”.
• وفي مايو 2020، صدر قرار بالعفو أيضا عن “محسن السكري”، ضابط أمن دولة سابق محكوم عليه بالمؤيد (25 عاما) في اتهامه بقتل “سوزان تميم” في الإمارات.
• وفي فبراير 2021، تضمنت قائمة العفو اسم رئيس القطار المتهم في واقعة مصرع أحد الباعة المتجولين، والمعروف إعلاميا بـ”شهيد التذكرة”، في أكتوبر 2019.

صرخة شعب
احتجاجا على قرارات السيسي، أطلق ناشطون حملة للمطالبة بالإفراج عن آلاف المعتقلين في السجون، وإنهاء العمل بالقوانين المقيدة للحريات، ووضع مقار الاحتجاز التابعة للجيش والشرطة تحت رقابة حقوقية. ووجهت حملة “باطل” فى بيان لها بعنوان “باطل.. سجن مصر”، “صرخة شعب مصر إلى كل أحرار العالم”، وأكدت أن سجن مصر ليس فقط لاعتقال المعارضين السياسيين، بل أصبح للطلاب الذين سجنت أصواتهم داخل صدورهم، وحرموا من أبسط حقوقهم في انتخاب ممثليهم أو التعبير عن رأيهم.
ولفت البيان إلى أن سجن مصر بات لكل عمال مصر الذين أغلقت مصانعهم وحبست آمالهم وأعمالهم داخل سيور ماكينات صدأت وتعطلت، ومصانع أفلست وبيعت، وأصبح السجن لرجال الأعمال الشرفاء الذين حبست عنهم فرص الاستثمار لصالح الجنرلات.
وأشار إلى أن سجن مصر أصبح لملايين الموظفين المسجونين بين ديون شهر مضى وشهر قادم، وأصبح لكل مصري ومصرية علي أرض مصر بين أسوار الفقر والجهل المخطط له من قبل “السيسي” ونظامه. وقال البيان لشعب مصر: قرار كسر قيودك وتحطيم أسوار سجنك، هو قرارك وحدك.. قاوم يا شعب مصر.. ارفض أن تسجن.. ارفض أن تموت قهرا.
ودعت الحملة إلى الإفراج عن 100 مليون مصري مسجونين من قبل النظام المستبد، والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين والمختفين قسريا، وضحايا قوانين الطوارئ والتظاهر سيئة السمعة، وإلغاء جميع الإجراءات الاحترازية من مراقبة وغيرها. كما طالبت برقابة دولية فورية ومستمرة على كل سجون مصر ومراكز الاعتقال والتعذيب التابعة للشرطة والجيش مشددة على ضرورة إنهاء معاناة نحو 60 ألف معتقل سياسي، بينهم فتيات وقصر ومختفين قسريا.
وحذرت الحملة من أن المعاناة لم تعد تقتصر على السجناء بل باتت تشمل كافة المصريين. ودعت إلى تجنب الخلافات بين القوى والتيارات السياسية قائلة: نختلف مع بعض كما يختلف الليل والنهار، وتختلف الألوان والأزهار، لكن لازم نتفق: إن سجن بنات مصر باطل.. إن سجن ولاد مصر باطل.. إن سجن كل مصر باطل.

“60” ألف معتقل
وكشف الناشط المعروف هيثم أبو خليل رئيس مركز “ضحايا ” لحقوق الإنسان، أنه جرى الإفراج عن 15 ألفا عام 2020، و54 ألفا آخرين عام 2019، أغلبهم من الجنائيين، مؤكدا أنه يتم تجاهل السجناء السياسيين في قرارات عفو السيسي. وطالب أبو خليل بالإفراج عن المعتقلين خاصة كبار السن والمرضى فى ظل انتشار فيروس كورونا وشراسة الموجة الثالثة التى تهدد حياة آلاف المعتقلين وعدم وجود رعياة صحية فى السجون. وأشار إلى أن هناك أكثر من 60 ألف معتقل سياسي فى سجون العسكر لم يرتكبوا أى جريمة سوى رفض الانقلاب الدموى على أول رئيس مدنى منتخب فى مصر الشهيد محمد مرسي.

الحبس الاحتياطى
وأكد تقرير “حبس بلا نهاية” الصادر عن “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” وجود 1464 معتقلا على الأقل في سجون العسكر تعدت مدة حبسهم الاحتياطي المدة القانونية، بالمخالفة للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية. وقالت المبادرة هؤلاء الذين تجاوز حبسهم الاحتياطى المدة القانونية كانوا أحق بالافراج عنهم من المجرمين والبلطجية وأرباب السوابق الذين أفرج عنهم السيسي. وأعربت عن أسفها لأن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ؛ حيث الاعتقالات والتصفيات الجسدية والكبت والقمع والاستبداد يسود كل مكان على أرض مصر.

الهجرة غير الشرعية
وبنفس منطق البلطجية وقاطعي الطرق، لجأ السيسي لتخويف الأوربيين من الورقة التي تقلقهم، وهي ورقة المهاجرين غير الشرعيين، قائلا: “لا يمكن خلق الوظائف إلا إذا ساعدتنا أوروبا في بناء الصناعات، حتى لو كانت تنافس صناعاتها”، مضيفا أن أوروبا لا يمكنها استقبال كل مهاجر غير شرعي. ويزعم السيسي أننا “منذ سبتمبر 2016، استطعنا منع المهاجرين غير الشرعيين من اقتحام أوروبا من مصر، وكان من المهم بالنسبة لنا ألا يتأثر أمن أوروبا نتيجة لذلك”. وهو ما يؤكد أن السيسي يبتزهم بالفعل لكن على طريقة “كيد النسا”! ولمزيد من الابتزاز، أضاف السيسي “في نفس الوقت لدينا 6 ملايين لاجئ في مصر من بينهم 500 ألف لاجئ من سوريا بالإضافة إلى عدد كبير من العراق واليمن والسودان وليبيا وإثيوبيا ودول أفريقية أخرى، ويرى الكثير منهم مصر دولة عبور فقط، لكننا لن نسمح لهم بالمضي قدمًا”. وتابع: “إن اللاجئين فى مصر يعتبرون ضيوفًا ويتلقون نفس المعاملة التي يحصل عليها المصريون.. نحن نقدم لهم ما في وسعنا، حتى لقاحات كورونا، ونحن ليس لدينا أي مخيمات للاجئين في مصر.. حيث يعيش اللاجئون هنا داخل المجتمع المصري”.
..وهكذا يأتي حوار السيسي في إطار التسول والابتزاز والترويج لنظامه الانقلابي وتبرير انتهاكاته لحقوق الإنسان وإيصال صورة منمقة عن أوضاع المعيشة والحقوق والحريات في مصر. إلا أن الحوار يعبر عن حجم كبير من ورطة السيسي ونظامه في معالحة أزمات إدارة البلاد التي حولها لعزبة عسكرية، تتخبطها الأوضاع المزرية والأزمات السياسية والإنسانية، وسط شبه مقاطعة من دول العالم التي أيقنت حقيقته الاستبدادية، وبدت تتعامل معه بنظام القطعة لتحقيق مصالحها فقط وليس لبناء علاقات متينة مع نظامه أو خلق تعاون وبناء جدار من الثقة معه، وهو ما تعبر عنه اليونان وفرنسا في مسار علاقتهما معه لتحقيق مصالحهما في البحر المتوسط وفقط، بينما تتباعد الإدارة الامريكية الجديدة عنه وتصنفه بأنه مستبد يتسبب لها وللعالم بكم كبير من الأزمات والكوارث.