حين يصبح الحق في الحياة رهينًا بضمانات العدالة الغائبة.. مطالب حقوقية بالتوقف عن التوسع في عقوبة الإعدام في مصر

- ‎فيحريات

يتجدد الجدل بشأن التوسع في إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، وسط انتقادات حقوقية تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، وادعاءات التعذيب والإخفاء القسري، والإشكاليات القانونية المرتبطة بمراحل القبض والتحقيق والمحاكمة والطعن والتنفيذ.

ومع حلول اليوم الدولي لمناهضة عقوبة الإعدام، تتجدد الدعوات الحقوقية إلى مراجعة السياسات والتشريعات المنظمة لهذه العقوبة، ووقف تنفيذ الأحكام التي تحيط بها شبهات جدية، وفتح نقاش عام حول مستقبل عقوبة الإعدام في البلاد، انطلاقًا من مبدأ أساسي: أن الحق في الحياة لا يجوز أن يكون ضحية لإجراءات معيبة أو أخطاء قضائية يتعذر إصلاحها.

 

التوسع في أحكام الإعدام ومخاوف العدالة

يرى حقوقيون أن التوسع في إصدار أحكام الإعدام يثير مخاوف تتجاوز العقوبة ذاتها، لتشمل مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، ومدى قدرة منظومة العدالة الجنائية على حماية المتهمين من الاعترافات المنتزعة بالإكراه، وضمان حقهم في الدفاع الفعلي، وفحص الأدلة بصورة مستقلة وموضوعية.

وتزداد خطورة هذه المخاوف في القضايا التي تتضمن اتهامات بالتعذيب أو الإخفاء القسري، أو تعتمد على تحريات واعترافات يطعن المتهمون في صحتها، أو تشهد تناقضات في الأدلة وإشكاليات إجرائية قد تؤثر في سلامة الأحكام.

وتؤكد المطالب الحقوقية في هذا السياق أن خطورة الاتهام لا تبرر الانتقاص من حقوق المتهم، وأن تحقيق العدالة لا يتحقق بمجرد صدور حكم قضائي، بل يتطلب إجراءات سليمة، وأدلة موثوقة، ودفاعًا فعالًا، وتحقيقًا جادًا في أي ادعاء يتعلق بالتعذيب أو الإكراه.

فكلما كانت العقوبة نهائية وغير قابلة للتدارك، ازدادت ضرورة التشدد في ضمانات المحاكمة، لأن أي خلل في الإجراءات قد يتحول من مخالفة قانونية إلى مأساة لا يمكن إصلاحها.

 

طالب الطب الذي يواجه حكمًا نهائيًا بالإعدام

وكنموذج، تجسد قضية طالب الطب بجامعة الأزهر عبد الرحمن محمد عطية جانبًا من المخاوف التي تثيرها منظمات حقوقية بشأن سلامة بعض القضايا المنتهية بأحكام الإعدام في مصر.

وبحسب المعلومات الواردة في المناشدات الحقوقية المنشورة بشأن قضيته، كان عطية متفوقًا دراسيًا، وتصدر دفعته لثلاث سنوات متتالية، قبل أن تتوقف مسيرته التعليمية عقب القبض عليه في 8 مارس 2014، داخل إحدى عربات مترو الأنفاق بالقاهرة.

ووفقًا لما نُسب إلى شهادته أمام النيابة، تعرض للإخفاء القسري داخل مقر للأمن الوطني في منطقة لاظوغلي، ولأشكال من التعذيب شملت السحل والتعليق والصعق بالكهرباء، فضلًا عن التهديد بإيذاء أسرته لإجباره على الاعتراف في قضية مقتل رقيب شرطة.

وتشير المناشدات إلى صدور حكم نهائي بالإعدام بحقه، وسط اعتراضات على سلامة الاعترافات والأدلة والإجراءات القضائية، ومخاوف بشأن مدى توافر ضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، تطالب منظمة (هيومن رايتس إيجيبت) بوقف تنفيذ الحكم، وفتح تحقيق مستقل في ادعاءات التعذيب والإخفاء القسري، وإعادة النظر في القضية بما يكفل حقوق الدفاع وسلامة إجراءات التقاضي.

وتكتسب القضية أهميتها الحقوقية من ضرورة التعامل الجاد مع اتهامات التعذيب، لا باعتبارها تفاصيل هامشية، بل باعتبارها ادعاءات تستوجب التحقيق المستقل، خصوصًا عندما تتعلق باعترافات قد تؤثر بصورة مباشرة في مصير متهم يواجه عقوبة لا رجعة فيها.

والمحاكمات الجماعية، والاعتماد على أدلة محل نزاع، والادعاءات المتعلقة بانتزاع الاعترافات تحت التعذيب، وأوجه القصور المحتملة في تمكين الدفاع من ممارسة حقوقه، كلها مسائل تستدعي التدقيق في مدى احترام المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة.

وتحذر رابطة أهالي المعتقلين المصريين «فدا» من أن غياب ضمانات العدالة الفعالة يجعل حياة الإنسان على المحك، مطالبة بوقف تنفيذ الأحكام التي شابتها انتهاكات ومراجعتها.

وتتمثل الأولوية الحقوقية هنا في ضمان حق كل متهم في محاكمة فردية تتناسب مع طبيعة الاتهامات المنسوبة إليه، وإتاحة الوقت والوسائل الكافية لإعداد الدفاع، وتمكين المحامين من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، واستبعاد الأدلة التي يثبت الحصول عليها بوسائل غير مشروعة وفقًا للقواعد القانونية الواجبة التطبيق.

كما تبرز أهمية توفير سبل فعالة للطعن في الأحكام، ومراجعة الأدلة مراجعة مستقلة، وعدم السماح لضغط الرأي العام أو جسامة الاتهام بأن يحل محل التحقق القضائي الدقيق.

فالمحاكمة العادلة ليست امتيازًا للمتهم، بل ضمانة للمجتمع بأسره، ووسيلة لحماية العدالة من الخطأ والتعسف.

 

قانون الإجراءات الجنائية الجديد

وتزامن اليوم الدولي لمناهضة عقوبة الإعدام مع تجدد النقاش حول الضمانات الإجرائية في قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بعدما تقرر تأجيل بدء العمل به لمدة عام، ليبدأ سريانه في الأول من أكتوبر 2027، وفقًا للمعلومات الواردة في المواد محل التقرير.

واعتبرت حملة «أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر»، التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن فترة التأجيل ينبغي أن تتحول إلى فرصة لمراجعة النصوص التي تمس الحق في الحياة، بدلًا من أن تمر بوصفها مجرد مهلة زمنية لاستكمال الاستعدادات الإدارية والفنية.

وفي دراسة قانونية أطلقتها الحملة بشأن ضمانات عقوبة الإعدام في القانون الجديد، تناولت القراءة القانونية مراحل الدعوى الجنائية، بدءًا من جمع الأدلة والتحقيق، مرورًا بالمحاكمة وطرق الطعن، وصولًا إلى إجراءات التنفيذ، بهدف تقييم مدى كفاية الضمانات القانونية المرتبطة بالعقوبة.

 

سلطات الضبط والتحقيق

أثارت الدراسة مخاوف بشأن اتساع بعض سلطات أفراد السلطة العامة، وإمكانية ندبهم للقيام ببعض إجراءات التحقيق، فضلًا عن الحاجة إلى ضمانات أوضح أثناء تفتيش المنازل في الحالات التي يتعذر فيها حضور المتهم.

وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في القضايا التي قد تنتهي بالإعدام، لأن سلامة إجراءات جمع الأدلة منذ المراحل الأولى تؤثر في مسار القضية برمتها، وقد يصعب تدارك آثار أي انتهاك لاحقًا.

 

المحاكمات والتحقيقات عن بُعد

وحذرت الدراسة من التوسع في استخدام وسائل الاتصال عن بُعد في التحقيق والمحاكمة دون ضمانات كافية تكفل المشاركة الفعلية للمتهم.

فالاتصال التقني وحده لا يضمن محاكمة عادلة، ما لم يتمكن المتهم من التواصل السري والفعال مع محاميه، والاطلاع الكامل على الأدلة، ومتابعة ما يدور في الجلسة، ومناقشة الشهود وممارسة حقوق الدفاع بصورة حقيقية.

كما تبرز ضرورة وقف الجلسة فورًا عند حدوث انقطاع تقني يحول دون مشاركة المتهم أو دفاعه، بدلًا من الاستمرار في إجراءات قد تمس حقوقه الأساسية.

التصالح في جرائم القتل والعدالة الاجتماعية

وانتقدت الدراسة المادة 22 المستحدثة في القانون الجديد، المتعلقة بإتاحة التصالح مع ورثة المجني عليهم في بعض جرائم الدم، ومنها القتل العمد، بما قد ينعكس على العقوبة.

وحذرت من أن يؤدي غياب التنظيم الدقيق إلى ربط فرص تخفيف العقوبة بالقدرة المالية للمتهم، بما يخلق تفاوتًا بين الأشخاص تبعًا لظروفهم الاقتصادية.

ودعت إلى وضع ضوابط واضحة لإثبات الصلح، وضمان حماية مصالح القُصّر والغائبين، وعدم تحويل الصلح أو التعويض المالي إلى معيار وحيد يحدد إمكانية الرأفة القضائية.

وتطرح هذه المسألة سؤالًا جوهريًا عن العلاقة بين العدالة الجنائية والعدالة الاجتماعية: كيف يمكن ضمان ألا تتحول القدرة على الدفع إلى عامل مؤثر في مصير الإنسان أمام القضاء؟

 

الحبس الاحتياطي

ورأت الدراسة أن تحديد سقف زمني للمدد القصوى للحبس الاحتياطي يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي بمفرده ما لم يصاحبه توفير بدائل عملية، وترسيخ الطبيعة الاستثنائية للحبس قبل صدور حكم نهائي.

ويظل احترام قرينة البراءة، ومراجعة أسباب استمرار الحبس، وضمان عدم تحوله إلى عقوبة مسبقة، من العناصر الأساسية لأي إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة الجنائية.

 

الضمانات الخاصة بأحكام الإعدام

رغم تكرار القانون الجديد للضمانات المرتبطة بضرورة إجماع آراء قضاة المحكمة على توقيع عقوبة الإعدام واستطلاع رأي مفتي الجمهورية، أشارت الدراسة إلى عدم وجود إلزام بمهلة كافية لورود الرأي الشرعي، أو بتأجيل النطق بالحكم عند تأخره.

كما طالبت بوضع نصوص ملزمة تكفل إخطار الدفاع والأسرة بموعد تنفيذ الحكم قبل وقوعه بوقت كافٍ، وضمان حق المحكوم عليه في الزيارة الأخيرة ومقابلة ممثل عقيدته الدينية، والتزام الجهات المختصة بتسليم الجثمان إلى ذويه، بما يصون الكرامة الإنسانية.

وتؤكد هذه المطالب أن الضمانات المرتبطة بتنفيذ العقوبة لا تقل أهمية عن ضمانات التحقيق والمحاكمة، وإن كانت لا تستطيع وحدها معالجة الخطر الأساسي المتمثل في استحالة إعادة الحياة إذا نُفذ حكم خاطئ.

 

لماذا لا تكفي الضمانات الإجرائية وحدها؟

وتتقاطع المطالب الحقوقية بشأن مراجعة قانون الإجراءات الجنائية مع دعوات أوسع لوقف إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، وصولًا إلى إلغاء العقوبة.

فمهما بلغت دقة الإجراءات القضائية، تظل إمكانية الخطأ قائمة في أي منظومة عدالة بشرية. وقد تظهر أدلة جديدة بعد صدور الحكم، أو تتكشف مخالفات لم يكن بالإمكان إثباتها في الوقت المناسب، أو يثبت أن اعترافًا جوهريًا انتُزع بالإكراه.

وعلى خلاف العقوبات السالبة للحرية، لا يمكن إصلاح الخطأ بعد تنفيذ الإعدام. فالتعويض اللاحق أو الاعتراف بوقوع الظلم لا يعيدان الحياة إلى صاحبها، ولا يمحوان الضرر الذي يلحق بأسرته ومحيطه.

ومن هنا، ترى الجهات الحقوقية المناهضة للعقوبة أن تعزيز الضمانات الإجرائية، على أهميته، لا يغني عن مراجعة أصل العقوبة ذاتها، ولا يزيل المخاطر الملازمة لها.

وفي هذا الإطار، تدعو حملة «أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر» مجلس النواب إلى إقرار تدابير قانونية توقف إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، وفتح مسار تشريعي لإلغاء العقوبة واستبدالها بالسجن المؤبد دون عفو مشروط في الجرائم الأشد خطورة، بالتوازي مع ضمان حقوق أسر الضحايا في الإنصاف والعدالة الفعالة.

ويستدعي هذا الطرح نقاشًا عامًا جادًا بشأن بدائل العقوبة، وحقوق الضحايا وأسرهم، وسبل منع الجرائم الجسيمة، وضمان المحاسبة الفعالة، دون جعل العدالة مرادفة لعقوبة يتعذر تدارك آثارها.

المطالب الحقوقية

وفي ضوء القضايا والمخاوف المطروحة، تتلخص أبرز المطالب الحقوقية في مجموعة من الإجراءات العاجلة والبعيدة المدى:

  1. وقف تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا التي تُثار بشأنها ادعاءات جدية بالتعذيب أو الإخفاء القسري أو انتهاك حقوق الدفاع، إلى حين فحصها بصورة مستقلة وفعالة.
  2. فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في ادعاءات التعذيب والإكراه، ومحاسبة المسئولين عن أي انتهاكات تثبت صحتها.
  3. مراجعة الأحكام النهائية التي تكشف الأدلة أو الإجراءات المتعلقة بها عن أوجه قصور جوهرية، مع توفير سبل فعالة لإعادة النظر في القضايا عند ظهور أسباب قانونية لذلك.
  4. تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة منذ لحظة القبض وجمع الأدلة، مرورًا بالتحقيق والمحاكمة والطعن، وصولًا إلى تنفيذ الأحكام.
  5. مراجعة قانون الإجراءات الجنائية الجديد خلال فترة التأجيل، وإقرار تعديلات ملزمة تعالج أوجه القصور التي حددتها الدراسات الحقوقية.
  6. ضمان حقوق المحكوم عليهم وأسرهم فيما يتعلق بالإخطار المسبق بالتنفيذ، والزيارة الأخيرة، والتواصل الديني، وتسليم الجثمان إلى ذويه.
  7. فتح حوار تشريعي ومجتمعي جاد بشأن وقف إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، وصولًا إلى إلغاء العقوبة، مع ضمان حقوق الضحايا وأسرهم في العدالة والإنصاف وجبر الضرر.

الحق في الحياة ليس مجالًا للمجازفة

تكشف النقاشات الحقوقية حول عقوبة الإعدام في مصر عن معضلة تتجاوز حدود النصوص القانونية والإجراءات القضائية، لتصل إلى جوهر العدالة نفسها: كيف يمكن حماية المجتمع ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة دون تعريض الحق في الحياة لخطر الخطأ الذي لا يمكن إصلاحه؟

إن ادعاءات التعذيب والإخفاء القسري، والمخاوف بشأن المحاكمات الجماعية وفعالية الدفاع، وأوجه القصور التشريعي التي ترصدها الجهات الحقوقية، تستوجب التعامل معها بجدية وشفافية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بعقوبة نهائية لا تتيح فرصة لتصحيح الخطأ بعد تنفيذها.

ولا يعني الدفاع عن الحق في الحياة تجاهل حقوق الضحايا أو التقليل من جسامة الجرائم، بل يقتضي بناء منظومة عدالة تضمن المحاسبة الفعالة، وتحمي حقوق المتهمين، وتنصف الضحايا وأسرهم، وتمنع الإفلات من العقاب، دون التضحية بمبدأ لا يمكن استعادته بعد انتهاكه.

ومع اقتراب موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر 2027، تبرز أمام السلطات التشريعية والتنفيذية فرصة لمراجعة الضمانات القانونية، والاستماع إلى المطالب الحقوقية، وإجراء إصلاحات تعزز استقلال العدالة وفاعلية الدفاع وحقوق الإنسان.

فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، ولا بسرعة تنفيذ العقوبات، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المسئولين وفق القانون، وحماية الإنسان من الظلم. وحين تكون العقوبة هي إنهاء الحياة، فإن أي شك جدي في سلامة الإجراءات يستوجب التوقف والمراجعة، لأن العدالة التي لا تستطيع إصلاح خطئها مطالبة بألا تتعجل في ارتكابه.